الصباح
كانوا يخرجون باكراً. الهواء ألطف، والشمس لم تفرض حرارتها بعد. وفي ذلك الوقت تبدأ أول مضخة في الوادي.
واحدة من جهة. ثم أخرى من جهة ثانية. أحياناً محرك واحد. وأحياناً أكثر من واحد.
كانت محركات ديزل. آلات قاسية. لا شيء فيها رقيق.
ومع ذلك، كان لصوتها جمال لا أفهمه إلا الآن.
الوادي كان يعيد الصوت.
والصدى كان يمنحه روحاً.
كبرت وأنا أسمع تلك المحركات، ولذلك لم أكن أسمعها حقاً.
كانت جزءاً من المكان. مثل النخيل. مثل الحر. مثل الغبار.
في الصباح كان الصوت يسافر بعيداً. يحمل الوادي محركاً من جهة، ثم يجيبه محرك آخر من مكان لا تراه. وبعد لحظات يعود الصوت أهدأ مما خرج.
لم يكن يزعجني. كنت أحبه.
ربما يبدو ذلك غريباً لمن يسمع محركاً فقط. لكن الذاكرة لا تحفظ الأشياء كما هي وحدها. تحفظ المكان الذي كان حولها.
كانت أغلب المضخات تسحب الماء من الآبار. وحين نذهب إلى الأراضي أو نمر قريباً منها، نراه يخرج صافياً وبارداً.
كنا نشرب منه مباشرة.
ماء البئر نعم. ماء الوادي لا. كنا نعرف الفرق.
وفي عز الحر، كان ذلك الماء البارد متعة حقيقية. نضع أيدينا تحته. نلعب به. ثم نراقبه وهو يمضي نحو الأرض.
اليوم
صوت قد لا أجده
مرة أخرى
أستطيع ربما أن أجد مضخة ديزل قديمة.
لكن المضخة وحدها لن تعيد شيئاً.
أحتاج إلى الوادي نفسه. إلى المسافة نفسها. إلى هدوء الصباح. وإلى الصدى نفسه.
اليوم أصبحت مضخات كثيرة كهربائية أو تعمل بالطاقة الشمسية. تؤدي عملها في هدوء. والصوت القديم يكاد يختفي.
لم أكن أعرف أن آلة عادية يمكن أن تسكن الذاكرة، حتى غاب صوتها.