لابنتي
قلت لك ذلك منذ سنوات.
وأنت لم تنسي.
وأنا أيضاً لم أنس.
كنت قد بدأت ركوب الخيل. مهر صغير في البداية. دروس. توازن. وتلك اللحظات الأولى التي فهمت فيها أن حيواناً أكبر منك بكثير يمكن أن يصغي إليك حين تتعلمين كيف تخاطبينه.
كنت آتي لأراك.
رأيت الخطوات الأولى. ثم الثقة وهي تكبر. ثم أول انطلاق حقيقي.
ورأيت السقوط أيضاً. والدموع. وتلك اللحظات التي كان فيها الألم حقيقياً.
ثم رأيتك تعودين إلى ظهر الحصان.
وأكثر ما بقي عندي ليس السقوط ولا الدرس. بقي وجهك حين تكونين قرب الخيل. تكونين سعيدة ببساطة. سعيدة تماماً.
البداية
كنت أراك
وأنت تتعلمين
مر نحو أربع أو خمس سنوات منذ قلت لك ذلك الوعد. كنت يومها تأخذين دروسك، وأنا أراقب تقدمك.
لم أحتج يوماً أن أعلمك حب الخيل. هذا الحب جاء منك أنت.
وحتى في مسكي، حين ترين حصاناً عند أحد الجيران، تريدين الاقتراب. لمسه. والبقاء قربه.
وأنت تحبين مسكي أيضاً. وهذا مهم بالنسبة لي.
لأن الأمرين بدآ، شيئاً فشيئاً، يصبحان فكرة واحدة في رأسي.
مسكي.
وحصان يكون لك أنت.
الرابط
لا أريد أن أهديك
حصاناً فقط
أريد أن أهديك ذكرى.
شيئاً حقيقياً. شيئاً يخصك. شيئاً يبقى معك طوال العمر.
مسكي التي أعرفها أنا جاءتني من الطفولة. من جدي. من أبي. من بيت جدتي. من الغرف. من البئر. من العائلة. من الأصوات. ومن أشياء لم أعرف قيمتها إلا بعد أن ابتعدت عنها.
لن تكون لك مسكي نفسها. تلك كانت مسكي الخاصة بي. وكانت تنتمي إلى زمن آخر.
لكن يمكن أن تكون لك مسكي تخصك أنت.
مسكي الخاصة بك
ربما تبدأ
بحصان
أتخيلك تصلين إلى مسكي وأنت تعرفين أن هناك حيواناً ينتظرك.
ليس حصاناً تركبينه لساعة ثم ترحلين. حصانك أنت.
سيكون عليك أن تعتني به. أن تطعميه. أن تطمئني عليه. أن تعرفي مزاجه. وما يقبله وما يرفضه.
وفي كل مرة تعودين إلى مسكي، ستذهبين لرؤيته.
وربما بعد سنوات، حين يقول أحد كلمة مسكي، يكون هذا الحصان من أول ما يعود إلى ذاكرتك.
هذه هي الذكرى التي أريد أن أهديك إياها.
ما يعبر من جيل إلى جيل
جدي.
أبي.
أنا.
أنت.
لا أعتقد أن على كل جيل أن يكرر الجيل الذي سبقه.
ترك جدي أثره في مسكي. وترك أبي أثره أيضاً. بنى. وزرع. وواصل.
وأنا أحمل ذكريات منهما معاً.
وأسأل نفسي كثيراً: ماذا سأترك لك أنا؟
ربما لا يكون الجواب شيئاً يوضع في صندوق.
ربما يكون مكاناً. حيواناً. عادة صغيرة. ذكرى تصبح لك لأنك عشتها أنت.
لهذا أصبح الحصان ومسكي، بالنسبة لي، فكرة واحدة.
الجزء الذي لا أريد تجميله
لم أفعلها بعد
وكنت أتمنى لو فعلت.
المال هو الشيء الوحيد الذي يؤخرني. هذه هي الحقيقة.
سأفعل ما أستطيع حتى يتحقق الأمر. ربما لن يكون الحصان العربي الأسود الذي أتخيله. ربما يكون حصاناً آخر.
لكنني أريد أن أحفظ الوعد.
ما زلت تذكرينني به. وتضحكين. وتعيدين علي الجملة.
وأنا أضحك أيضاً.
لكن كلما مر الوقت ولم أستطع بعد أن أفي به، يؤلمني ذلك قليلاً.
لأنني أعرف أنك تتذكرين. ولأنني أنا أيضاً أتذكر تماماً ماذا كنت أقصد يوم قلتها.
إن قرأت هذه الصفحة يوماً
يا أميرتي
أتمنى أن أكون، حينها، قد وفيت بوعدي.
لكن إن قرأت هذا قبل أن أفعل، فأريدك أن تعرفي شيئاً.
لم تكن تلك الكلمات جملة قلتها فقط كي أفرحك.
كنت أعنيها.
أحببت دائماً أن أراك فوق الحصان. أحببت الدروس الأولى. والسقوط. والدموع. والانطلاق. وأكثر من كل ذلك، تلك الابتسامة التي كانت تعود كلما اقتربت من حصان.
ما زلت أريد أن أراك مع حصانك الخاص في مسكي.
ليس لأنني أريد منك أن تعيشي ذكرياتي أنا.
بل لأنني أريدك أن تصنعي ذكرياتك أنت.
يوماً ما، سأهديك حصاناً.