عن الأشياء التي تضعها أمهاتنا في الحقائب، وعن العسل والقهوة والوصفات والروائح التي تجعل البيت يسافر معنا.

قبل أن تُغلق الأم الحقيبة
في البيوت العربية، للحقيبة قبل السفر حياة خاصة. تظن أنك انتهيت من ترتيبها، ثم تدخل الأم إلى الغرفة.
هل وضعت الملابس؟ نعم. الأوراق؟ نعم. الشاحن؟ نعم.
جميل. الآن تبدأ الحقيبة الحقيقية.
هذا كيس بهارات. وهذه قهوة. وهذا عسل. وهذه زجاجة زيت لففتها جيداً فلا تقلق. وهذه أشياء لم تطلبها أصلاً، لكن محاولة إخراجها من الحقيبة قد تتحول إلى قضية عائلية. هههه.
تقول لها: يا أمي، كل هذا موجود هناك.
تنظر إليك النظرة التي تعرفها كل عائلة تقريباً: موجود، لكن ليس مثل هذا.
وهنا تبدأ حكايتنا.
لسنا أمام ترجمة لحقيبة مهاجر
لا أريد أن أحكي هذه القصة كما يراها شخص يقف خارج العائلة العربية ويعدد أطعمتها. أريد أن أدخل البيت نفسه: المطبخ، رائحة القهوة، صوت الأكياس، الأب الذي يسأل إن كان بقي مكان، الأم التي تجد دائماً مكاناً إضافياً، والخالة التي تصل في اللحظة الأخيرة بشيء آخر.
العائلة لا ترسل الطعام وحده. ترسل جزءاً من حضورها.
ولهذا قد تكون هذه الحكاية مفهومة جداً لمن عاش بعيداً عن أهله، سواء انتقل من اليمن إلى الإمارات، أو من عُمان إلى أوروبا، أو من المغرب إلى فرنسا، أو من فلسطين وسوريا ولبنان إلى بلد آخر، أو حتى من مدينة عربية إلى مدينة عربية أخرى.
صلة الرحم قد تسافر في علبة صغيرة
في ثقافتنا، صلة الرحم ليست فكرة جميلة نكتبها في بطاقة تهنئة فقط. هي زيارة وسؤال واتصال ووقوف مع القريب وإرسال شيء إليه وتذكره حين يغيب.
أحياناً تكون المسافات كبيرة، ولا نستطيع أن نجلس معاً كل أسبوع. فيدخل الطعام في المسافة.
ترسل الأم ما يحبه ابنها. يرسل الأخ تمراً. تصل قهوة مع مسافر. تحمل الخالة حلوى صنعتها بيدها. لا أحد يعلن أن هذه الأشياء تقوم مقام العائلة، فهي لا تستطيع. لكنها تقول شيئاً بسيطاً: لم ننْسَك.
ربما لهذا نشعر أن الهدية القادمة من البيت أثقل من وزنها الحقيقي.
مسكاوي
«اليوم نستطيع تصدير العسل والقهوة والتوابل والعطر وزيت الزيتون إلى آخر الدنيا، لكننا لم نتعلم بعد كيف نُصدّر رائحة البيت وصوت الأم وهي تقول: خذ معك، ستحتاجه هناك.»
— مسكاوي
طعم الفم وطعم القلب
للطعام عندي طعمان.
الأول يعرفه اللسان. حلو، مر، حامض، عطري، قوي، خفيف. نستطيع أن نقارن الجودة ونناقش المصدر والموسم والطزاجة.
أما الثاني فلا أعرف له جهاز قياس.
هو طعم الخبز حين كان الشخص الذي تحبه يجلس أمامك. طعم الزيت حين كانت الجدة تصبه من غير ميزان. طعم العسل الذي كان الأب يضعه على المائدة. رائحة القهوة قبل دخول الضيوف.
قد تشتري لاحقاً منتجاً أجود من الناحية التقنية، ومع ذلك لا يهزم ذلك الطعم القديم.
القلب ليس لجنة تحكيم.
لا تقل إن عسل أمك هو الأفضل في العالم
نحن العرب نحب كلمة الأفضل قليلاً أكثر من اللازم. أفضل عسل، أفضل زيت، أفضل قهوة، وأفضل طبخ بالتأكيد هو طبخ أمي.
أنا أيضاً أحب طبخ أمي، لكن لا أحتاج أن أهزم أمهات العالم حتى أثبت ذلك. هههه.
قد يكون عند شخص آخر عسل أجود، أو زيت حصل على جائزة، أو وصفة أكثر دقة. لا مشكلة.
ما في بيتنا ليس دائماً الأفضل في العالم. أحياناً هو الأفضل في عالمنا نحن، وهذه مسابقة مختلفة تماماً.
اليمن الذي يدخل البيت مع العسل
حين نقول عسل السدر اليمني، قد يسمع شخص اسم منتج فاخر. لكن اليمني قد يسمع أسماء أودية ومناطق ومواسم وأشخاصاً.
عسل السدر الدوعني مثلاً لا يعيش فقط في كلمات البحث على الإنترنت. خلف الاسم حضرموت ووادي دوعن والنحل والحصاد وسمعة تكونت عبر أجيال. وعندما يصل العسل إلى بيت بعيد عن اليمن، قد يصبح مذاقه باباً لذاكرة أكبر من المرطبان.
ربما يتذكر شخص إفطاراً قديماً. ربما رمضان. ربما أباً كان يختار العسل بنفسه. وربما بلداً لم يستطع الابن أن يعرفه إلا من حكايات أهله.
العسل هنا ليس بديلاً عن الوطن. لكنه يستطيع أن يناديه للحظة.
عُمان قد تصل إلى الغرفة كرائحة
وفي عُمان لا تحتاج الذاكرة دائماً إلى أن تؤكل.
يكفي أحياناً أن يحترق شيء من اللبان حتى تتغير الغرفة. ظفار، البخور، الثياب، المناسبات، البيوت والضيافة يمكن أن تظهر في الذاكرة من رائحة واحدة.
ثم تأتي القهوة والتمر والعسل العُماني، سدر أو سمر أو غيرهما بحسب المنطقة والموسم.
اليوم تستطيع عائلة عُمانية تعيش في الخارج شراء الكثير من هذه الأشياء. لكن حين يأتي الكيس مع قريب عاد من عُمان، يصبح القريب نفسه جزءاً من النكهة.
هذا ما لا تكتبه قائمة المكونات.
المغرب في زجاجة زيت
وفي المغرب، يكفي أن أرى بعض الناس يتعاملون مع زجاجة زيت زيتون جاءت من العائلة لأعرف أنني أمام شيء ليس مجرد زيت.
هذه من البلد. هذه من عند فلان. هذه من الزيتون الذي نعرفه.
قد تكون الزجاجة الآن في باريس أو بروكسل أو دبي، لكن الجملة تعيدها إلى قرية أو أرض أو موسم.
ومع الزيت يسافر الشاي والتوابل والحلويات وطرق إعداد الخبز وأسماء الأكلات التي تتغير من منطقة إلى أخرى. خزانة مطبخ واحدة في المهجر قد تجمع تافيلالت والريف وفاس وسوس والسوبرماركت الفرنسي في رفوف متجاورة.
الهجرة تصنع مطابخ لها خرائط عجيبة.
من قصر مسكي لا نحمل المنتج وحده
هناك أماكن يصعب عليّ فصل مذاقها عن ذاكرتها. قصر مسكي واحد منها.
حين أعرف الأرض والماء والنخيل والحر والظل والحكايات العائلية، يصبح اسم المكان أكثر من خانة منشأ.
لهذا أحب أن أعرف من أين جاء الشيء. ليس لكي أحوله دائماً إلى إعلان، بل لأن المكان يجعل الطعام مفهوماً.
المنشأ قصة قبل أن يكون ملصقاً.
فلسطين والزيت الذي يحمل الأرض
عند الحديث عن فلسطين، يصبح زيت الزيتون والزعتر أكثر من صورة جميلة عن المطبخ. هناك أرض وزراعة وعائلة واستمرار وذاكرة.
لا أحب اختزال ذلك في موضة غذائية. فبالنسبة لعائلات كثيرة، المذاق متصل بمكان وبأشخاص وبحياة كانت أو ما زالت جزءاً من هويتهم.
الغربة تجعل الأشياء اليومية أكثر وضوحاً. ما لم تكن تحتاج إلى شرحه في بيتك، تجد نفسك تشرحه لأطفالك في بلد آخر.
وهكذا تتحول وجبة الإفطار إلى درس صغير في الذاكرة من غير أن يجلس أحد على مقعد المدرسة.
بلاد الشام والوصفة التي تتغير كي تبقى
السوري واللبناني والفلسطيني والأردني حملوا مطابخهم معهم إلى مدن كثيرة. لكن الوصفة لا تصل دائماً كما خرجت.
نوع الطحين يتغير. الخضار مختلفة. اسم قطعة اللحم يختلف. بعض المكونات غالية أو غير متوفرة. فيبدأ التكيف.
هل هذا ضياع للتراث؟ أحياناً قد نفقد شيئاً، نعم. لكن التغيير قد يكون أيضاً طريقة للبقاء.
الجدة كانت تطبخ بعينيها ويديها. الابنة كتبت المقادير تقريباً. الحفيدة صورت الفيديو على الهاتف. ثلاث طرق مختلفة، والوصفة ما زالت على المائدة.
السعودية: القهوة والتمر قبل الكلام
في بيوت كثيرة في السعودية والخليج، القهوة والتمر ليسا مجرد شيئين يوضعان على الطاولة. هما جزء من استقبال الناس.
والقهوة نفسها ليست وصفة واحدة. التحميص يختلف، كمية الهيل تختلف، والزعفران أو القرنفل وغيرهما قد يدخل بحسب البيت والمنطقة والعادة.
والأجمل أن أفراد العائلة قد يشاهدون الشخص نفسه يحضرها ثم يقولون: قهوة فلانة لها طعم آخر.
طبعاً لها طعم آخر.
فلانة هي التي صنعتها.
دبي والدوحة: حين أصبحت أوطان كثيرة في مدينة واحدة
دبي والدوحة مثالان مثيران لهذه الحكاية. في المدينتين تستطيع أن تجد مطابخ ومنتجات جاءت من جهات كثيرة جداً.
اليمني يبحث عن عسل السدر، والعُماني يجد اللبان والقهوة، والمغربي يجد الزيت والتوابل، والشامي يجد ما يحتاجه لوصفاته، وعائلات من الهند وباكستان وإيران وشرق أفريقيا وآسيا تحمل هي أيضاً ذاكرتها إلى المدينة.
أصبح من الممكن أن تسافر حول موائد العالم في بضعة شوارع.
وهذا شيء جميل. التجارة قربت المسافات التي كانت تفصل بين المطابخ.
إذا كان كل شيء موجوداً، فلماذا ما زالت الحقيبة ممتلئة؟
هذا هو السؤال الذي يضحكني.
نقول لأهلنا: لا تحملوا شيئاً، كل شيء موجود هنا.
ثم يصل المسافر ومعه حقيبة كأن القرية كلها قررت الهجرة معه. هههه.
السبب أن الموجود في المتجر ليس هو الذي وضعته أمك في الكيس. قد يكون المنتج نفسه ومن البلد نفسه وربما أجود. لكن البائع لم يقل لك: تذكرت أنك تحبه.
التجارة تنقل الأشياء.
العائلة تنقل المعنى.
اقتصاد الخالات لا يظهر في الإحصاءات
هناك اقتصاد عالمي كامل لا أعرف إن كانت المؤسسات الاقتصادية حسبته جيداً: اقتصاد الأمهات والخالات والعمات.
شخص يسافر، وفجأة تبدأ شبكة لوجستية من دون شركة شحن. هذا لأخيك. هذا لابنة خالتك. وهذا صغير لا يأخذ مكاناً. وهذا أيضاً صغير. وبعد عشر دقائق لم يعد في الحقيبة مكان لصاحب الحقيبة.
وفي رحلة العودة يحدث العكس. عطور، شوكولاتة، ملابس للأطفال، هدايا وأشياء طلبها أهل البيت.
طريق التجارة هنا يعمل بالمحبة والضغط العائلي اللطيف. هههه.
مقادير الأم: شوية
حاول مرة أن تحفظ وصفة عائلية قديمة.
كم نضع؟ شوية.
كم شوية؟ شوية بس.
والماء؟ على حسب.
والوقت؟ لما تستوي.
هذه الإجابات كارثة لمن يريد كتابة كتاب طبخ، لكنها تكشف نوعاً من المعرفة يسكن اليد والعين والأنف. الشخص لا يحسب دائماً لأنه تعلم أن يشعر.
وحين تهاجر العائلة، يجب أن تهاجر هذه المعرفة أيضاً.
اكتبوا قبل أن تختفي كلمة شوية
أنا أحب الرواية الشفهية، لكنني أقول اليوم: اكتبوا.
اسألوا الأم. اسألوا الأب. صوروا يد الجدة وهي تعد الوصفة إذا كانت تحب ذلك. اكتبوا اسم القرية واسم المكون كما كانت تسميه، ولا تستبدلوا كل كلمة محلية بكلمة عامة.
اسألوا لماذا نفعل هذه الحركة. لماذا نضع هذا في العرس؟ لماذا نطبخ هذا في رمضان؟ من علّمك؟
قد يأتي يوم تبقى فيه الورقة، ولا يبقى الشخص الذي كان يعرف معنى شوية.
المطبخ يحفظ العربية أيضاً
طفل عربي يعيش في الخارج قد يجيب والديه بالفرنسية أو الإنجليزية، ثم يدخل المطبخ ويعرف فجأة عشر كلمات عربية لا يستخدمها في المدرسة.
أسماء البهارات. أواني الطبخ. طريقة العجن. اسم خبز لا يملك ترجمة جميلة.
المطبخ يمكن أن يكون صف لغة من دون سبورة.
لهذا أحب الاحتفاظ بالكلمات الأصلية حين نكتب عن الثقافة. الترجمة تشرح، لكنها لا يجب أن تمحو الاسم الذي عاش داخل البيت.
والاسم نفسه يسافر
ليست الوصفات وحدها ما تحمله العائلات.
نحمل أسماءنا.
يولد طفل في بلد بعيد ويحمل اسم جده أو جدته. يصبح شخص عاش قبل عقود حاضراً كل يوم في النداء.
أحياناً يحمل الاسم مدينة أو قبيلة أو شخصية تاريخية أو أمنية وضعها الأبوان في الطفل.
الأسماء أرشيف صغير لا يحتاج إلى وزن إضافي في الطائرة.
العطر والبخور: ذاكرة لا تحتاج إلى المائدة
الشم أسرع من كثير من الحكايات.
رائحة عود أو بخور أو لبان أو ماء ورد أو عطر كان يستخدمه الأب أو الأم يمكن أن تعيد غرفة كاملة في لحظة.
لهذا لا تحمل العائلات الطعام فقط. تحمل الروائح.
يمكن أن يكون البيت جديداً، والأثاث جديداً، والمدينة جديدة، ثم يصعد دخان مألوف من المبخرة فيصبح المكان أقل غربة.
كأن الأنف سبق القلب وقال له: اطمئن، هناك شيء من البيت هنا.
القهوة تعيد المشهد لا الشراب فقط
حين نحمل القهوة، لا نحمل البن والكافيين فقط.
نحمل الدلة أو طريقة الإعداد، الهيل، الفنجان، ترتيب التقديم، وربما المجلس الذي كنا نجلس فيه.
القهوة قد تعني الصباح في بيت، والضيف في بيت آخر، والتعزية أو الفرح أو رمضان أو اجتماع العائلة في بيت ثالث.
لذلك يمكن لفنجان صغير أن يعيد مشهداً أكبر بكثير من حجمه.
العسل يحتفظ بالجغرافيا
العسل مختلف قليلاً لأنه يحمل أثر المكان فعلياً. مصدر الرحيق والموسم والمناخ وطريقة تربية النحل والحصاد تؤثر في المنتج.
عسل السدر في اليمن ليس نسخة مطابقة لعسل السدر في عُمان أو الإمارات أو السعودية أو المغرب. وحتى داخل البلد نفسه تختلف المناطق والمواسم.
وعسل السمر له حكاية نبات وموسم أخرى.
لهذا حين تقول عائلة: نريد العسل من منطقتنا، قد يكون هناك فرق حقيقي في المنتج، ثم تأتي الذاكرة وتضيف فرقاً لا نستطيع قياسه.
حين لا ينجح الطعم نفسه
هناك لحظة يعرفها كثير من المغتربين.
تشتري المكونات نفسها. تتبع الوصفة. تستخدم الإناء نفسه تقريباً. تأكل.
لذيذ.
لكن ليس هو.
ربما الماء مختلف. ربما الدقيق. ربما الخضار. ربما نار الفرن القديم. وربما ذاكرتك جعلت الطبق القديم مثالياً أكثر مما كان.
وربما المكون الناقص كان الشخص الجالس أمامك.
هذه المشكلة لا تحلها أسرع شركة شحن في العالم.
أطفال يرثون حنيناً لم يعيشوه
من أجمل وأغرب ما يحدث في العائلات المهاجرة أن الطفل قد يشتاق إلى مكان لم يعش فيه كما عاشه أبواه.
ولد في باريس، لكنه يقول البلد عن قرية في المغرب. نشأ في لندن، ويعرف اليمن من حكايات والديه وطعام البيت. كبر في دبي، لكن جدته تصنع له طبقاً سورياً وتشرح له من أي مدينة جاء.
الأهل يعيرون أبناءهم ذاكرتهم.
والطعام يجعل الذاكرة المستعارة قابلة للمس والشم والتذوق.
لا تطلبوا من الجيل الثاني أن يكون نسخة
لكن علينا أيضاً أن نكون عادلين مع أبنائنا.
لا يمكن أن نطلب من طفل وُلد في بلد آخر أن يشعر بكل شيء بالطريقة نفسها التي شعرنا بها. له بيته هو أيضاً، وأصدقاؤه ولغاته وذكرياته.
قد يحب العسل القديم على خبز جديد. قد يضع بهار الجدة في وصفة لم تعرفها الجدة. قد يتحدث ثلاث لغات حول مائدة واحدة.
هذا ليس خيانة.
الثقافة التي لا تسمح لأبنائها بالتنفس تتحول من جسر إلى حمل.

رمضان حين تصبح المسافة أوضح
في رمضان، تزداد قوة الذاكرة عند كثير من العائلات. مواعيد الإفطار، صوت البيت قبل المغرب، الشوربة، الخبز، التمر، الحلويات، القهوة، الزيارات، السهرات والمجالس.
من يعيش بعيداً قد يحاول إعادة طبق واحد فقط كي يشعر أن المسافة قصرت.
وهنا نفهم أيضاً لماذا هدايا رمضان من التمر أو العسل أو القهوة والحلويات تحمل معنى يتجاوز السلعة حين تُرسل بمحبة.
الهدية تقول: تذكرتك في شهر تكثر فيه صلة الناس بعضهم ببعض.
العيد وحركة الحقائب المعاكسة
ثم يأتي العيد والسفر، وتبدأ الحقائب في الاتجاه الآخر.
من يعيش في الخارج لا يعود بيد فارغة. للأطفال شيء، للأم شيء، للأب شيء، والعطر الذي طلبه أحدهم، والشوكولاتة التي يحبها الآخر.
فتصبح الهجرة طريقاً ذا اتجاهين.
نأخذ من البيت ما نفتقده، ونحمل إلى البيت شيئاً من الحياة الجديدة.
المجلس الذي نبنيه أينما ذهبنا
قد تنتقل العائلة إلى شقة صغيرة في مدينة بعيدة. لا يوجد فناء البيت القديم ولا المجلس نفسه.
ثم يأتي ضيف.
فجأة تعود القواعد.
تفضل. اجلس. اشرب. كل.
قلت إنك شبعت؟ ممتاز، سنضع لك المزيد. هههه.
العمارة تغيرت، لكن فعل إفساح المكان للآخر بقي. وهنا أفهم أن البيت ليس الجدران وحدها.
الأغنية والمثل والدعاء أمتعة بلا وزن
نحمل أيضاً أشياء لا يراها موظف المطار.
بيت شعر. مثلاً شعبياً. دعاء كانت الأم تقوله. أغنية يشغلها الأب. نكتة لا تضحك إلا أبناء العائلة لأن نصف معناها قصة قديمة.
هذه الأشياء تعبر الحدود بلا حقيبة.
وربما هي أكثر ما يبقى حين تتغير بقية الأشياء.
حين يتحول الحنين إلى تجارة
هناك جانب يجب أن نتعامل معه بحذر.
الشركات تعرف أن كلمة الأصالة تبيع. تعرف أن صور الجبال والقرى والأمهات والجدات تحرك المشاعر. لذلك من السهل جداً أن يتحول الحنين إلى ديكور تسويقي.
إذا قلنا إن العسل من مكان معين، يجب أن نهتم بالمكان فعلاً. إذا تحدثنا عن حصاد أو تقليد، يجب ألا نخترع قصة لأن العبوة تحتاج فقرة جميلة.
الثقافة ليست ملصقاً نضعه على المرطبان.
الذاكرة تستحق هي أيضاً نوعاً من التتبع.
الهدية الفاخرة والشيء البسيط داخلها
يعجبني التناقض في هدايا العسل الفاخرة.
الصندوق قد يكون أنيقاً جداً، والزجاج والتفاصيل والتغليف مصممة بعناية. ثم تفتحه فتجد في الداخل شيئاً صنعه النحل من نبات وموسم ومكان.
الحاضر يحيط بشيء قديم.
لا أرى مشكلة في الجمال والفخامة. التغليف الجميل يمكن أن يكرم ما بداخله. المشكلة فقط حين تصبح العلبة أهم من الحقيقة.
الذهب يستطيع أن يزين العسل. لا يستطيع أن يمنحه أصلاً لم يكن له.
ما الذي يمكن أن تتعلمه العلامات من حقيبة الأم؟
ربما على العلامات الفاخرة أن تراقب حقيبة الأم قليلاً.
الأم لا تحتاج إلى حملة إعلانية كي تجعل ابنها يريد عسلها أو بهاراتها. الثقة موجودة قبل المنتج.
هناك شخص، مكان، علاقة وذاكرة.
ربما الفخامة الحقيقية ليست الندرة والسعر فقط. ربما هي أيضاً الدقة: هذا المكان بالذات، هذا الموسم، هذا الشخص، وهذه القصة الحقيقية.
كلما تشابه العالم، زادت قيمة الشيء الذي يعرف من أين جاء.
مسكاوي
«مرطبان أمي قد لا يكون أفضل مرطبان في العالم، ولا أريده أن يكون. يكفيني أنه الأفضل في عالمي أنا. للفم مذاق، وللقلب مذاق آخر.»
— مسكاوي
لا تضحك على من يحمي المرطبان في المطار
إذا رأيت مسافراً يتعامل مع مرطبان كأنه قطعة ذهب، لا تضحك كثيراً.
ربما يستطيع شراء الشيء نفسه بعد وصوله.
لكن ربما هذا المرطبان ملأته يد يعرفها. وربما الزيت من أرض أبيه. وربما الوصفة آخر ورقة كتبتها جدته. وربما القهوة من المحل الذي كان والده يذهب إليه منذ ثلاثين سنة.
الميزان يرى الكيلوغرامات.
لا يرى ما بداخلها.
البيت غير المرئي
أعتقد أن العائلات حين تهاجر تبني بيتاً ثانياً لا يظهر في الخرائط.
بيتاً غير مرئي.
يبنى من رائحة في المدخل، طبق يوم الجمعة، قهوة تقدم بطريقة معينة، كلمة تقال للضيف، اسم يحمله طفل، عسل في الخزانة، أغنية تظهر حين يشتاق أحدهم.
لا يصبح البيت الجديد نسخة من القديم. ولا يجب أن يصبح.
يتكون بيت ثالث من الاثنين معاً.
الثروة ليست أن نحب الماضي فقط
أنا أحب الذكريات، لكن لا أريد أن أعيش أسيراً لها.
السفر علمني أطعمة جديدة وأشخاصاً جدداً ومدناً جديدة. إذا رفضنا كل جديد لأن طعام الأم أجمل، سنغلق الباب الذي جعل العالم واسعاً.
نحمل البيت معنا كي يعطينا جذوراً، لا كي يمنعنا من المشي.
يمكنني أن أحب عسل طفولتي وأكتشف عسلاً من بلد آخر. أحب قهوة بيتي وأجلس في مجلس عائلة أخرى وأتعلم طريقتها. أحب وصفة أمي وأعترف أن طبقاً جديداً أدهشني.
الوفاء لا يحتاج إلى الخوف من الاكتشاف.
حين تتزوج العائلات تلتقي المطابخ أيضاً
الزواج لا يجمع شخصين فقط. أحياناً يجمع مدينتين وبلدين ومطبخين على مائدة واحدة.
تدخل وصفة من بيت الزوج إلى بيت الزوجة، وتأتي قهوة بطريقة مختلفة، وتختلف تسمية الطبق نفسه، ثم يولد الأطفال وهم يعتقدون أن هذا الخليط هو الشكل الطبيعي للعالم.
وهذا جميل. فالتراث ليس دائماً خطاً مستقيماً من الجد إلى الحفيد. أحياناً هو نهران يلتقيان.
في الخليج نرى ذلك كثيراً بسبب حركة الناس القديمة والحديثة بين عُمان واليمن والحجاز وشرق أفريقيا والهند وإيران وبلاد الشام وغيرها. المائدة تستطيع أن تحفظ تاريخاً من الرحلات من دون أن تكتب عنواناً فوق كل طبق.
زنجبار وعُمان: البحر يحمل أكثر من البضائع
حين نفكر في العلاقة التاريخية بين عُمان وزنجبار، لا ينبغي أن نتخيل السفن وهي تحمل التجارة فقط. الناس أيضاً تحركوا، ومعهم لغات وأطعمة وروائح وعادات وعلاقات عائلية.
المحيط الهندي لم يكن فراغاً يفصل ضفتين. كان طريقاً.
ولهذا يمكن أن تجد في تاريخ الأسر ما لا يظهر بسهولة في الخرائط السياسية الحديثة: جد جاء من جهة، جدة من جهة أخرى، وصفة تغيرت في الميناء، كلمة بقيت في اللهجة، ورائحة توابل أصبحت جزءاً من البيت.
البحر يبعد الناس، لكنه كان أيضاً أحد أكبر الجسور في تاريخ المنطقة.
حين يصبح بيت الجدة دولة مستقلة
هناك قانون عائلي غير مكتوب: في بيت الجدة، كلمة شبعت لا تتمتع باعتراف رسمي.
تقول إنك أكلت. يأتي طبق آخر.
تقول شكراً. تأتي الفاكهة.
ثم القهوة.
ثم شيء حلو لأنك، بحسب المنطق العائلي، لم تأكل شيئاً منذ عشر دقائق.
نضحك على هذا، لكنه شكل من أشكال التعبير عن المحبة. بعض الناس يقولون أحبك بالكلمات، وبعض الجدات يقلنها بزيادة كمية الطعام حتى تبدأ مفاوضات دبلوماسية. هههه.
الضيف يعرف البيت من التفاصيل الصغيرة
الضيافة لا تحتاج دائماً إلى وليمة. قد يعرف الضيف كرم البيت من كوب ماء قُدم في الوقت المناسب، أو من سؤال صادق عن أهله، أو من مكان أُفسح له رغم ضيق المجلس.
لهذا حين تنتقل العائلة إلى بلد آخر، تستطيع حمل الضيافة معها حتى لو تغير مستوى حياتها تماماً.
قد يكون البيت في الوطن واسعاً والبيت الجديد صغيراً. لكن عبارة تفضل لم تفقد معناها.
الثقافة أحياناً تسكن في الفعل أكثر مما تسكن في الأشياء.
المائدة العائلية ليست دائماً مثالية
ولا أريد أن أجعل كل مائدة عربية مشهداً مثالياً من فيلم. العائلة فيها اختلاف وزعل وسوء فهم وصمت أيضاً.
قد يجلس أشخاص على مائدة واحدة وبينهم مشكلة. قد يسافر قريب سنوات. قد تنقطع علاقة ثم تعود.
ولهذا تصبح صلة الرحم أكثر معنى حين نفهم أنها ليست صورة جميلة فقط، بل عمل يحتاج إلى صبر ومبادرة وتسامح.
أحياناً تبدأ المصالحة بفنجان قهوة لا بخطاب طويل.
الطعام الذي نرسله لمن لا نستطيع زيارته
ليس كل شخص يستطيع العودة إلى بلده متى شاء. هناك من تمنعه المسافة أو العمل أو المال أو ظروف أصعب بكثير.
عندها تصبح الطرود والحقائب التي يحملها الأصدقاء والأقارب أكثر أهمية.
قطعة صغيرة من البيت لا تعالج الغياب، لكنها تقول إن الطريق ما زال مفتوحاً بين الطرفين.
وقد تكون هذه أبسط صورة لفكرة أن الرحم لا ينبغي أن تقطعه الجغرافيا.
الأسواق العربية في المهجر
ثم تظهر الأسواق التي بنتها الجاليات. بقالة صغيرة تبدأ ببضعة منتجات، ثم تصبح مكاناً يعرف فيه الناس أين يجدون نوع القهوة الذي يريدونه، أو دبساً معيناً، أو تمراً، أو زيتاً، أو خبزاً يشبه خبز البيت.
هذه المتاجر ليست كلها رومانسية بالطبع، فهي أعمال تجارية مثل غيرها. لكنها تؤدي وظيفة ثقافية أيضاً.
الرف الذي يجمع منتجات من اليمن والمغرب ولبنان وفلسطين وعُمان والسعودية يمكن أن يصبح نقطة لقاء بين ذاكرات مختلفة.
والجميل أن الجار غير العربي يدخل أيضاً ويكتشف شيئاً جديداً. هكذا لا تبقى الذاكرة مغلقة على أصحابها.
حين يطبخ الأبناء لنا شيئاً لم نعرفه
نحن نتحدث كثيراً عن تعليم الأبناء وصفاتنا، لكن ربما علينا أن نقبل أن يأتي اليوم الذي يعلموننا فيه هم أيضاً.
يأخذ الابن مكوناً من البيت ويستخدمه بطريقة جديدة. نرفض أولاً. نقول له: لا، هذا لا يؤكل هكذا.
ثم نتذوق.
وربما نصمت قليلاً لأن الفكرة جيدة. هههه.
هذا أيضاً جزء من رحلة الثقافة. الجيل الجديد ليس صندوق حفظ. هو شريك في كتابة الفصل التالي.
الصورة التي لا تستطيع نقل الرائحة
نحن نصور كل شيء اليوم. موائد رمضان، القهوة، السفر، الأطباق، الهدايا.
الصورة تحفظ الشكل، لكنها لا تحفظ الرائحة. والفيديو يحفظ الصوت، لكنه لا يحفظ طعم الخبز.
لهذا تبقى التجربة الحية ضرورية.
يمكن للأرشيف أن يساعد الذاكرة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بدلاً منا.
لا تجعلوا الحنين يمنعكم من حب البلد الجديد
هناك خط رفيع بين حفظ الأصل وبين رفض الحاضر.
إذا انتقلت إلى بلد جديد، من الجميل أن تحمل بيتك معك. لكن من الجميل أيضاً أن تسمح للبلد الجديد أن يعطيك شيئاً.
جرب طعام جارك. تعلم كلمة. ادخل سوقاً لم تعرفه. اجلس مع عائلة تختلف عاداتها عن عاداتك.
ربما بعد عشرين سنة ستكتشف أن أبناءك يحملون في حقيبتهم إلى مكان ثالث أشياء من بلدك القديم وأشياء من البلد الذي استقبلك.
وهكذا تكبر الحكاية بدلاً من أن تنغلق.
اسأل اليوم
إذا كان عندك شخص كبير في العائلة يعرف حكاية لا تعرفها، اسأله اليوم.
من أين كانت تأتي هذه القهوة؟ من علّمك هذه الوصفة؟ لماذا نسميها بهذا الاسم؟ ما الذي كانت جدتي تضعه؟ من أي قرية جاء الزيت؟ لماذا يقدم هذا الطبق في المناسبة؟
لا تنتظر حتى يصبح صاحب الإجابة صورة على الهاتف.
أحياناً نبحث عن تاريخ الشعوب في الكتب وننسى أن جزءاً صغيراً من تاريخنا يجلس معنا على المائدة.
ما لا توقفه الحدود
الحدود تستطيع أن تنظم البضائع. شركة الطيران تستطيع أن تحدد وزن الحقيبة. الجمارك تستطيع أن تسأل عن المرطبان.
لكن الذاكرة عنيدة.
تختبئ في كلمة ورائحة وحركة يد وشهية مفاجئة. تظهر حين تصب القهوة، حين يلمس الخبز زيت الزيتون، حين يحترق البخور، وحين يصل العسل إلى اللسان.
لثوان قليلة، تصبح المسافة أقصر.
أحياناً نحن لا نشتاق إلى البيت بل إلى من كان فيه
هذه أصعب حقيقة في الحكاية.
قد يبقى البيت في مكانه. الشارع نفسه. المطبخ نفسه. وربما نستطيع شراء المنتج نفسه.
لكن شخصاً واحداً يغيب، فيتغير الطعم كله.
لذلك لا أريد أن أعطي الأشياء قوة ليست لها. العسل عسل، والقهوة قهوة، والوصفة وصفة.
الناس هم الذين يعلمون الأشياء كيف تحمل الحب.
وفي النهاية سنطلب المرطبان نفسه
تخيل أن التجارة أصبحت كاملة. كل عسل سدر من كل منطقة متاح بضغطة. كل زيت، كل بهار، كل قهوة، كل بخور. تطلب اليوم ويصل غداً.
سأكون سعيداً بذلك.
ثم يسافر شخص أحبه إلى البيت، وسأقول له على الأغلب: إذا بقي عندك مكان، أحضر لي مرطباناً.
ليس لأن الإنترنت فشل.
بل لأن القلب لا يتصرف دائماً بمنطق، والحمد لله أنه لا يفعل.
وأنت، ماذا تحمل معك؟
ربما ليس العسل.
ربما شاي، عطر، وصفة، قطعة قماش، صورة، فنجان، أغنية، أو كلمة لا يستخدمها إلا أهل بيتك.
انظر إليها مرة أخرى.
قد تكتشف أن الشيء العادي الموجود على الرف يعمل منذ سنوات كجسر.
نغادر البيوت، نعبر البلدان، نكتشف مذاقات جديدة ونبني حياة جديدة. وهذا جميل.
لكن أحياناً نفتح مرطباناً واحداً، وفجأة يصبح طريق العودة إلى البيت أقصر بكثير.
العائلة والطعام والذاكرة بعد السفر
لأن المنتج قد يحمل ثقة العائلة وذاكرة شخص ومكاناً محدداً. توفر السلعة في المتجر لا يعيد دائماً معنى أن يضعها شخص تحبه في حقيبتك.
بالتكرار والتعليم الشفهي والكتابة والتصوير والتكيف مع المكونات الجديدة. من المفيد أيضاً حفظ الأسماء المحلية وحكاية الوصفة ومن علّمها للعائلة.
لأن مصدر الرحيق والموسم والمناخ وممارسات النحل والحصاد تؤثر في العسل. لذلك يختلف السدر والسمر بين البلدان والمناطق والمواسم.
ليس بالضرورة. الثقافة الحية تتغير. الأهم أن يعرف الجيل الجديد أصل العادة ومعناها، ثم يجد طريقته الخاصة في حملها.
رمضان يجمع الطعام والوقت والزيارة وصلة الرحم والضيافة، لذلك ترتبط أطباق وروائح وهدايا معينة بذكريات عائلية قوية، خصوصاً لمن يعيش بعيداً عن أهله.
