حين صار اسم إدريس جزءاً من ذاكرة المغرب

المغرب · التاريخ · الأدارسة · الذاكرة
حين صار اسم إدريس جزءاً من ذاكرة المغرب

حكاية عربية عن إدريس الأول ووليلي وفاس، ثم رحلة جنوباً نحو سجلماسة وتافيلالت ووادي زيز من غير أن نحول الاحتمال إلى حقيقة.

مشهد مغربي يجمع مولاي إدريس زرهون وذاكرة وليلي وبداية الدولة الإدريسية

في المغرب أسماء لا تحتاج إلى شرح طويل

هناك أسماء نسمعها ونحن صغار قبل أن نعرف التاريخ الذي وراءها. مولاي إدريس واحد منها.

قد يسمع الطفل الاسم في حديث الكبار، في اسم مدينة، في حكاية سفر إلى زرهون، ثم تمر سنوات قبل أن يسأل: من كان إدريس؟ ولماذا بقي اسمه كل هذا الزمن؟

أنا أحب هذا النوع من الأسئلة، لأن التاريخ عندها لا يبدأ من الكتاب. يبدأ من شيء كان يعيش بجانبنا ونحن لا ننتبه.

قبل إدريس كان المغرب مليئاً بالحكايات

لا ينبغي أن نبدأ سنة 789 وكأن الأرض قبلها كانت صامتة. المغرب عرف مجتمعات أمازيغية عريقة، واتصالات فينيقية وبونية، وممالك قديمة، وحضوراً رومانياً في الشمال، ويهودية ومسيحية، ثم انتشار الإسلام على مراحل.

وليلي نفسها تذكرنا بذلك. آثارها المعروفة اليوم تحمل طبقات قديمة سبقت الدولة الإدريسية بقرون.

حين جاء إدريس الأول، لم يأت إلى أرض بلا أهل ولا سياسة ولا ذاكرة. جاء إلى مغرب موجود، ثم دخل هو نفسه في حكايته.

رجل هارب من المشرق يصل إلى أقصى المغرب

إدريس بن عبد الله، الذي سيعرفه المغاربة بإدريس الأول، من ذرية الحسن بن علي ومن آل بيت النبي ﷺ.

بعد وقعة فخ قرب مكة سنة 786 وما تبعها من ملاحقة عباسية، خرج بعيداً حتى وصل إلى المغرب الأقصى.

المسافة وحدها تكفي لصناعة رواية. رجل يحمل نسباً معروفاً في المشرق، يقطع الطريق حتى يجد مستقبله السياسي في الغرب.

أوربة ليست هامشاً في القصة

حين وصل إدريس إلى منطقة وليلي، كان دعم قبيلة أوربة الأمازيغية أساسياً.

هذه نقطة أحب أن نقف عندها. لا نريد تاريخاً يقول إن رجلاً جاء من الشرق فوجد المغرب ينتظره. السلطة لا تولد هكذا.

كان هناك أهل وقبائل وموازين قوة. التحالف بين النسب الإدريسي وبين الدعم المحلي الأمازيغي هو جزء من البداية نفسها.

المغرب الذي سيتشكل سيحمل دائماً هذا التداخل بين عناصر متعددة.

لماذا نقول 789؟

تستعمل المراجع المغربية سنة 789 لبداية الدولة الإدريسية. التاريخ مفيد لأنه يضع علامة على الطريق.

لكن العلامة ليست الطريق كله.

لم تصبح كل أراضي المغرب الحديث في صباح واحد دولة موحدة بالشكل الذي نفهمه اليوم. النفوذ توسع وتغير، والمناطق احتفظت بخصوصياتها، ثم انقسمت الدولة نفسها لاحقاً بين فروع الأسرة.

لذلك أحب أن أقول إن 789 بداية فصل تأسيسي كبير في تاريخ المغرب الإسلامي، لا لحظة سحرية وُلد فيها كل شيء دفعة واحدة.

وليلي: حين تقف حضارتان في المشهد نفسه

من يزور وليلي يرى الأعمدة والفسيفساء والآثار القديمة، ثم يعرف أن إدريس الأول اتخذ المنطقة مركزاً لبدايته.

هذا القرب بين وليلي ومولاي إدريس زرهون يجعل المكان درساً من غير سبورة.

المغرب القديم والمغرب الإسلامي لا يحتاجان إلى إلغاء بعضهما. الأرض نفسها تستطيع أن تحمل أكثر من زمن.

النسب الشريف والسياسة

كان لنسب إدريس الأول إلى آل البيت وزن ديني ورمزي كبير. وسيبقى مفهوم النسب الشريف حاضراً في التاريخ المغربي قروناً بعد انتهاء الحكم الإدريسي.

لكن النسب وحده لا يزرع الأرض ولا يحمي الطريق ولا يبني المدينة.

القصة الحقيقية تبدأ حين يلتقي الرمز بالناس والتحالف والسياسة.

عمر سياسي قصير وذاكرة طويلة

توفي إدريس الأول سنة 791، بعد فترة قصيرة جداً إذا قارناها بطول أثر اسمه.

تذكر الروايات التاريخية قصة تسميمه في سياق الصراع مع العباسيين.

المثير عندي ليس طريقة موته فقط، بل كيف استطاع رجل عاش مشروعه المغربي سنوات قليلة أن يبقى حاضراً بعد أكثر من اثني عشر قرناً.

أحياناً يكون عمر الذاكرة أطول بكثير من عمر السلطة.

ابن لم يعرف أباه كما نعرف نحن اسمه

ولد إدريس الثاني بعد وفاة أبيه، ثم أصبح لاحقاً صاحب المرحلة التي رسخت الدولة ومركزها الحضري.

هناك شيء إنساني مؤثر هنا قبل السياسة: ابن يرث اسماً ومشروعاً وذاكرة أب لم يعش معه حياة عادية.

لكن التاريخ لا يترك لنا وقتاً طويلاً للتأمل العائلي، لأن فاس ستدخل المشهد.

فاس لا تولد كاملة

حين نقول فاس اليوم، تظهر في الذهن المدينة العتيقة، الأزقة، الخشب المنقوش، الزليج، المدارس، القرويين، الأسواق والحرف.

لكن فاس الإدريسية الأولى لم تكن تحمل بعد كل هذه القرون فوق كتفيها.

اليونسكو تصف المدينة بأنها تحفظ ذاكرة عاصمة أسستها الدولة الإدريسية بين 789 و808، ونمت في بدايتها على ضفتي وادي فاس.

المدينة التي نحبها اليوم هي كتاب كتبته عصور كثيرة.

الأندلسيون يصلون

في أوائل القرن التاسع وصلت إلى فاس جماعات من الأندلس، وترتبط إحدى موجات الاستقرار الكبرى بأسر خرجت من قرطبة بعد أحداث الربض.

حين تنتقل العائلات لا تحمل أجسادها فقط.

تحمل لهجتها وطعامها وذاكرتها ومهاراتها وطريقة بنائها وعلاقاتها بالله والناس.

جزء من مغربية فاس صنعه أناس وصلوا إليها من مكان آخر. لا أرى في ذلك تناقضاً، بل أرى كيف تتكون المدن الحقيقية.

والقيروانيون على الضفة الأخرى

ثم جاءت جماعات من القيروان واستقرت على الضفة الأخرى.

صار للمدينة جناح أندلسي وجناح قيرواني، ثم جمع الزمن بينهما من غير أن يمحو أثر الأصل.

فاس تعلمنا أن الهوية ليست دائماً جداراً يمنع الدخول. أحياناً هي بيت يكبر حين يدخل إليه القادمون ويصبحون من أهله.

القرويين ليست تفصيلاً نسرقه من صاحبتها

حين نصل إلى فاس، يسهل أن ننسب كل شيء جميل إلى الأدارسة. لكن الدقة أجمل.

جامع القرويين يرتبط في الذاكرة التاريخية بفاطمة الفهرية في القرن التاسع، أي في البيئة التي نمت فيها فاس بعد تأسيسها الإدريسي.

ذكر فاطمة باسمها لا يصغر الأدارسة. بالعكس، يجعل المدينة أوسع من سيرة أسرة حاكمة واحدة.

الحضارة لا يصنعها السلطان وحده.

مسكاوي

«وأنا صغير لم أكن أسأل من بنى هذا الجدار ولا في أي دولة عاش صاحب ذلك الباب. كبرنا، فاكتشفنا أن التاريخ كان يقف بجانبنا بصمت ونحن نمر أمامه كل يوم.»

— مسكاوي

لننزل جنوباً

إذا بقينا في فاس فقط، سنحكي تاريخ المغرب من الشمال وننسى أن الجنوب كان يعيش فصوله هو أيضاً.

وهنا أصل إلى منطقة قريبة من قلبي: تافيلالت ووادي زيز.

في الزمن الذي كانت فيه الدولة الإدريسية تنمو حول وليلي وفاس، كانت سجلماسة قد ظهرت في الجنوب الشرقي وأصبحت مركزاً سياسياً وتجارياً مهماً على طرق الصحراء.

الجنوب لم يكن ينتظر فاس كي يبدأ التاريخ.

سجلماسة: مدينة على باب الصحراء

سجلماسة من الأسماء التي تجعل الخيال يعمل فوراً. قوافل، ذهب، ملح، طرق طويلة، تجار، علماء ومسافرون بين المغرب وبلاد السودان والصحراء والبحر المتوسط.

حكمتها قوى ارتبطت بالخوارج الصفرية ثم بنو مدرار، وهم أسرة ذات جذور مكناسية أمازيغية.

هذه الحقيقة مهمة لأنها تمنعنا من صبغ خريطة القرن التاسع بلون إدريسي واحد.

كان المغرب عالماً من المراكز والطرق والقوى المتجاورة والمتنافسة.

تافيلالت ليست هامشاً

من ينظر إلى الخريطة من الرباط أو فاس قد يرى الجنوب الشرقي بعيداً.

لكن القافلة لا ترى الأشياء بالطريقة نفسها.

بالنسبة للطريق الصحراوي، الواحة ليست هامشاً. هي حياة وماء وسوق ومحطة.

لهذا أحب إعادة سجلماسة وتافيلالت إلى قلب الحكاية حين نتحدث عن المغرب الوسيط.

هل وصل الأدارسة إلى أرض الرشيدية؟

هنا يأتي السؤال الذي طرحته على نفسي أيضاً.

هل انتقلت أسر من ذرية الأدارسة أو من المحيط الإدريسي مع مرور القرون نحو تافيلالت ووادي زيز والمناطق التي نسميها اليوم إقليم الرشيدية؟

هذا ممكن من حيث حركة الأسر والعلماء والتجار والأنساب الشريفة عبر المغرب طوال قرون.

لكن الممكن ليس وثيقة.

قصر مسكي لا يحتاج إلى جد إدريسي كي يكون جميلاً

سيكون سهلاً علي أن أكتب: ربما وقف أحد أحفاد إدريس عند عين مسكي. الجملة جميلة، وأنا أحب الجمل الجميلة.

لكنني لا أملك دليلاً يسمح لي بتحويلها إلى تاريخ.

لذلك أتركها في مكانها الصحيح: احتمال عام لحركة الناس عبر المنطقة، لا ادعاء بأن الأدارسة استقروا تحديداً في قصر مسكي.

قصر مسكي ووادي زيز وتافيلالت لديهم من التاريخ الحقيقي ما يكفيهم. لا يحتاجون إلى استعارة جد مشهور.

مسكاوي

«التاريخ أحياناً يعطينا اسماً وسنة، وأحياناً لا يعطينا إلا طريقاً. إذا لم أعرف من مشى في الطريق، أحب أن أتخيل المسافر، لكنني لا أكتب اسمه من عندي.»

— مسكاوي

الوادي طريق أيضاً

وادي زيز ليس ماء فقط. الأودية تصنع ممراً بين الجبال والواحات والمناطق المأهولة.

حين تكبر قرب الواحة، تصبح النخلة والعين والكسور والجدران القديمة أشياء عادية. ثم تكبر أكثر وتبدأ تسأل: كم إنسان مر من هنا قبلي؟

ربما لن نجد أسماءهم.

لكن السؤال نفسه يجعل المكان أكبر.

ذاكرة الحصن وذاكرة الدولة

في ذكريات الطفولة، لا نعيش التاريخ بالطريقة التي يكتبه بها المؤرخ.

نتذكر بيت الجدة، بئراً، مجلساً، باباً، خبزاً، ظلاً، صوت الماء.

ثم نقرأ لاحقاً عن الدول والقوافل والقبائل ونكتشف أن التاريخ الكبير كان يمر حول تفاصيل الحياة الصغيرة.

لهذا أحب أن أضع الذاكرة الشخصية بجانب التاريخ، لا مكانه.

حين تنقسم الدولة بين الأبناء

بعد إدريس الثاني، دخلت الدولة مرحلة انقسام بين فروع الأسرة، وتبدلت موازين القوة.

في القرن العاشر ازدادت المنافسة بين الأدارسة وقوى محلية وإقليمية، ومنها مكناسة والأمويون في الأندلس والفاطميون.

هذه الفترات لا تناسب الخرائط البسيطة.

السلطة في العصور الوسطى لم تكن دائماً خطاً واضحاً يفصل دولة عن أخرى.

ينتهي الحكم ويبقى الاسم

تراجعت الدولة الإدريسية وانتهى حكمها السياسي، لكن إدريس لم يخرج من ذاكرة المغرب.

بقي مولاي إدريس زرهون، وبقي حضور إدريس الثاني في فاس، وبقيت فكرة النسب الشريف ذات وزن في المجتمع والسياسة.

وهذا يذكرنا بأن الدولة شيء والذاكرة شيء آخر.

قد تسقط الدولة ويبقى اسم مؤسسها في أفواه الناس.

ثم جاء المرابطون

بعد ذلك ستظهر قوى تغير حجم الحكاية. المرابطون سيؤسسون مراكش ويقيمون دولة واسعة تمتد إلى الأندلس.

ثم الموحدون، فالمرينيون، فالسعديون، ثم العلويون.

كل دولة ستقول شيئاً جديداً عن المغرب، لكنها ستبني فوق أرض عاشت قبلها.

وتافيلالت تعود من الجنوب

بعد قرون طويلة من الأدارسة، ستصبح تافيلالت نفسها مرتبطة ببداية الدولة العلوية.

وهنا أحب التاريخ أكثر.

المركز يتحرك. مرة فاس، مرة مراكش، مرة مكناس، واليوم الرباط. لكن منطقة صحراوية بعيدة عن صورة العاصمة الحديثة تستطيع أن تصبح يوماً منبع أسرة حاكمة.

الجغرافيا السياسية لا تبقى ثابتة.

المغرب لا يصنعه قصر واحد

حين ننظر إلى كل هذه الفصول، نفهم أن المغرب لم يصنعه قصر ولا مدينة ولا قبيلة وحدها.

وليلي، فاس، سجلماسة، مراكش، مكناس، تافيلالت، الأندلس، القيروان، الصحراء وطرق أفريقيا كلها تدخل بدرجات مختلفة في القصة.

هذه الكثرة لا تضعف الهوية.

هي التي تعطيها عمقها.

أين الأمازيغ في القصة؟ في قلبها

من الخطأ أن نحكي الأدارسة كأن التاريخ المغربي بدأ بوصول نسب عربي إلى أرض ساكنة.

دعم أوربة الأمازيغية كان جزءاً من قيام سلطة إدريس الأول. ومكناسة ستظهر بقوة في قصص أخرى، ومنها سجلماسة وصراعات القرن العاشر.

المغرب العربي والأمازيغي ليس طرفين في قصة منفصلة. التاريخ الحقيقي أكثر اختلاطاً من الشعارات.

الهجرة التي بنت فاس

الأندلسيون والقيروانيون يجعلون فاس مثالاً مبكراً على أن الهجرة يمكن أن تبني مركزاً ثقافياً.

العائلة تصل غريبة، ثم بعد أجيال يصبح ما حملته جزءاً من هوية المدينة.

هذا يشبه ما نراه اليوم في مدن كثيرة، وإن اختلف الزمن والظروف.

الثقافة التي تثق بنفسها تستطيع أن تستقبل وتتعلم.

رحلة تاريخية مغربية من فاس نحو سجلماسة وتافيلالت ووادي زيز

العلم لا يولد بأمر السلطان

فاس ستصبح لاحقاً مدينة علم وفقه وصناعة وكتاب.

الدولة تستطيع أن توفر الاستقرار أو ترعى مؤسسة، لكن العلم يحتاج علماء وطلاباً ونسّاخاً ونساءً ورجالاً وأوقافاً وأسراً ترسل أبناءها للتعلم.

حين نختصر الحضارة في أسماء الحكام، نخسر معظم الذين صنعوها.

الأسواق أيضاً تكتب التاريخ

أنا أحب الأسواق في المدن القديمة لأن السوق يكشف أحياناً ما لا يقوله القصر.

من أين جاءت السلعة؟ من يبيعها؟ أي طريق سلكت؟ أي لغة يتحدث بها التاجر؟

في سجلماسة خصوصاً، التجارة عبر الصحراء جزء أساسي من فهم مكانة المدينة.

القافلة كانت تحمل الاقتصاد، لكنها كانت تحمل الأخبار والأفكار والعادات أيضاً.

الماء يصنع المدن والواحات

فاس لها واديها ومياهها، وتافيلالت لها منظومات الواحات والأنهار والعيون.

قبل الطرق السريعة والطائرات، كان الماء يقرر كثيراً من مصير الاستقرار.

ربما لهذا أشعر بقرب خاص من تاريخ المدن والواحات التي تفهم قيمة الماء.

من عاش قرب عين أو بئر يعرف أن الحضارة تبدأ أحياناً من سؤال بسيط: أين سنشرب؟

حين يصبح الاسم عائلة

الأنساب في المغرب موضوع حساس ومليء بالروايات الشفهية والوثائق والادعاءات أيضاً.

بعض الأسر تحفظ شجرات نسب، وبعضها تحمل تقاليد متوارثة، وبعض القصص يصعب إثباتها بعد قرون.

لا أريد السخرية من ذاكرة العائلات، ولا أريد تحويلها كلها إلى حقائق بلا فحص.

يمكن احترام الرواية العائلية مع قول: هذا ما ترويه الأسرة، أما الوثيقة فتحتاج بحثاً آخر.

الدرهم الصغير قد يحفظ خبراً كبيراً

المسكوكات من أجمل الشهود الصامتين على الدول. بقيت دراهم إدريسية يدرسها الباحثون ويقارنون أسماءها ونقوشها وأماكن ضربها بالمصادر المكتوبة.

العملة لا تخبرنا ماذا أكل الناس في بيوتهم، لكنها تقول إن سلطة ما أرادت أن يظهر اسمها في حركة السوق.

حين تجتمع الوثيقة والآثار والنقود، يصبح التاريخ أقل اعتماداً على الرواية الواحدة.

الدين في المغرب المبكر لم يكن لوناً واحداً

التاريخ الديني للمغرب الكبير في تلك القرون معقد. وجدت تيارات خارجية مختلفة، وتطورت تقاليد سنية، ودخلت السياسة في المنافسة الدينية كما يحدث في أزمنة كثيرة.

حتى وصف الأدارسة بكلمة مذهبية واحدة يحتاج إلى حذر. بعض الدراسات تحذر من اختزالهم ببساطة في صورة دولة شيعية بالمفهوم الذي قد يفهمه القارئ اليوم.

الدقة هنا لا تقلل من القصة، بل تحميها.

ماذا صنعت الهجرة بفاس؟

حين أنظر إلى قصة الأندلسيين والقيروانيين في فاس، أفكر في العائلات التي تهاجر اليوم.

يصل القادم غريباً. يبني بيتاً. يولد له أطفال. بعد أجيال يصبح اسم الحي نفسه جزءاً من تراث المدينة.

لا أحد يقول اليوم إن حي الأندلسيين أقل مغربية لأن اسمه يحفظ ذكرى القادمين.

الانتماء يستطيع أن يكبر من غير أن يمحو الأصل.

القافلة ترى المغرب بطريقة أخرى

كتاب الدول ينظر إلى القصر. كتاب التجارة ينظر إلى الطريق.

التاجر الخارج من سجلماسة كان يفكر في الماء والأمن والرفقة والأسعار والحيوان والمسافة أكثر مما يفكر في عنوان الفصل الذي سيضعه المؤرخ بعد ألف سنة.

حين نضع القافلة بجانب السلطان، يتغير شكل المغرب أمامنا.

نراه جسراً بين المتوسط والصحراء وبلاد أفريقيا ومجالات أخرى، لا مجرد أرض تحكم من عاصمة.

لماذا أترك احتمال الرشيدية في المقال؟

كان يمكن أن أحذف السؤال كله وأقول إن الدليل غير موجود وانتهى الأمر.

لكنني أتركه لأننا نحتاج أن نتعلم كيف نتعامل مع الاحتمال.

من الطبيعي أن يحب الإنسان ربط منطقته باسم تاريخي كبير. أحياناً تساعد الوثائق، وأحياناً توجد رواية عائلية، وأحياناً لا نملك إلا الإمكان العام.

قول ربما، لكنني لا أستطيع إثباته، ليس ضعفاً. هو احترام للقارئ.

الدولة ليست الشعب كله

الأدارسة أسرة حاكمة، وليست وصفاً لكل سكان المغرب في ذلك الزمن.

وهذا فرق بسيط لكنه مهم.

يمكن لنسب عربي شريف أن يقود مشروعاً سياسياً يعتمد على تحالفات أمازيغية ويعيش داخل مجتمع متعدد المكونات.

إذا فهمنا ذلك، نتوقف عن تحويل التاريخ إلى مباراة هوية.

لماذا نكتب هذا في مجلة بدأت من العسل؟

قد يسأل أحدهم: ما علاقة إدريس الأول بالعسل؟

إذا كانت المجلة مجرد طريق لبيع المرطبانات، فالعلاقة ضعيفة جداً.

أما إذا كان العسل باباً دخلنا منه إلى الأرض والسفر والناس والذاكرة، فالتاريخ له مكان طبيعي.

لا أريد أن تنتهي كل حكاية بزر اشتر الآن.

بعض الحكايات يكفي أن تجعلنا نعرف بلادنا أكثر.

التاريخ في أسماء الأماكن

في المغرب أسماء كثيرة تعمل مثل أرشيف صغير.

اسم مدينة، زاوية، باب، حي، قبيلة أو عائلة قد يحمل أثراً من زمن قديم.

ليس معنى ذلك أن كل رواية مرتبطة بالاسم صحيحة حرفياً، لكن استمرار الاسم يخبرنا بما اختار المجتمع أن يتذكره.

حتى الذاكرة نفسها تصبح موضوعاً للتاريخ.

من حق أبنائنا أن يسألوا

لا أريد من الطفل أن يحفظ أن إدريس الأول جاء سنة كذا ثم يغلق الكتاب.

أريده أن يسأل: لماذا جاء؟ من استقبله؟ من كانت أوربة؟ ماذا كان يحدث في سجلماسة في الوقت نفسه؟ لماذا وصلت عائلات من قرطبة إلى فاس؟

السؤال يجعل التاريخ حياً.

أما الحفظ وحده فقد يجعل أعظم قصة تبدو كواجب مدرسي.

العائلة والتاريخ

في بيوتنا قد تبدأ المعرفة بجملة قالها الجد: نحن من هنا، أو كان أجدادنا يذهبون إلى هناك، أو هذا الاسم جاء من فلان.

هذه الروايات ثمينة لأنها تحفظ ذاكرة الأسرة، لكنها ليست دائماً وثيقة نهائية.

أحب أن نسجلها كما قيلت، ثم نبحث.

بهذه الطريقة لا نهين ذاكرة الجد ولا نجبر التاريخ على تأكيد شيء لم نجده.

الحب لا يحتاج إلى مبالغة

أحياناً نظن أننا نخدم تاريخ بلدنا حين نجعله أكبر وأقدم وأقوى من كل شيء.

أنا أرى العكس.

حين نقول لا أعرف في المكان الذي لا نعرف فيه، يصبح ما نعرفه أقوى.

المغرب لا يحتاج منا أن نخترع له مجداً. لديه ما يكفي من التاريخ الحقيقي.

زيارة وليلي بعد معرفة إدريس

إذا زرت وليلي بعد قراءة قصة إدريس الأول، ستنظر إلى المكان بطريقة مختلفة.

لن تصبح الآثار الرومانية إدريسية، وهذا مهم. ستبقى شاهدة على زمنها.

لكن وجود بداية إدريسية في المنطقة يضيف طبقة جديدة إلى المشهد.

المكان الواحد يستطيع أن يطلب منك أكثر من كتاب.

زيارة زرهون بعد معرفة الرحلة

وفي مولاي إدريس زرهون، تذكر أن الاسم جاء من رجل وصل من بعيد.

قد تنظر إلى الجبال والبيوت وتفكر في المسافة بين مكة وهذا المكان في القرن الثامن.

لا تحتاج إلى تحويل الرحلة إلى أسطورة حتى تشعر بثقلها.

الطريق الحقيقي يكفي.

فاس: المدينة التي كبرت فوق بدايتها

ثم ادخل فاس.

لا تبحث عن مدينة إدريس الثاني فقط. ابحث عن القرون التي تراكمت فوقها.

المرابطون والموحدون والمرينيون وغيرهم تركوا آثاراً. الأندلسيون والقيروانيون والحرفيون والعلماء والعائلات تركوا آثاراً.

فاس جميلة لأنها لم تتوقف عند مؤسسها.

ومن فاس إلى زيز

لو واصلنا الرحلة جنوباً نحو وادي زيز، سنغير المشهد تماماً.

لكننا لن نخرج من التاريخ المغربي.

سنترك ذاكرة إدريس وفاس وندخل عالم سجلماسة وتافيلالت والقوافل والواحات، ثم فصولاً لاحقة ستصل إلى الدولة العلوية.

هذا التنقل بين الشمال والجنوب هو الذي يجعلني أحب الحكاية.

هل الأدارسة أول المغرب؟

السؤال نفسه يحتاج إلى هدوء.

الأدارسة يمثلون بداية مركزية في تاريخ الدولة الإسلامية بالمغرب وفي الذاكرة الملكية المغربية، لكن الأرض والمجتمعات والتاريخ أقدم منهم.

كما أن كل مناطق المغرب لم تعش التجربة السياسية نفسها في اللحظة نفسها.

لذلك أفضل أن أقول: الأدارسة أحد أكبر بدايات المغرب السياسي الإسلامي، لا بداية كل شيء.

بين فاس وسجلماسة مسافات من السياسة أيضاً

المسافة بين فاس وسجلماسة ليست مجرد طريق طويل على الخريطة. في القرون الأولى كانت تعني أيضاً اختلافاً في مراكز السلطة والمصالح والشبكات.

قد تصل الأخبار من الشمال إلى الجنوب، وتتحرك التجارة والأسر، لكن ذلك لا يعني أن كل منطقة كانت خاضعة بالطريقة نفسها.

هذه الفكرة مهمة جداً حين نقرأ تاريخ المغرب. الحدود الحديثة تجعلنا نتخيل أن الدولة القديمة كانت تدير الأرض كلها كما تفعل الإدارة المعاصرة.

الواقع كان أكثر تفاوتاً وتعقيداً.

ماذا كان يعني أن تبني مدينة؟

حين نقول أسس مدينة، تبدو العبارة قصيرة جداً.

لكن المدينة تحتاج ماءً وسوقاً وطرقاً وأماناً وبيوتاً ومسجداً وحرفاً وأناساً يريدون البقاء.

ولهذا لا أحب أن أضع تأسيس فاس في يد شخص واحد ثم أنتهي. إدريس الأول وإدريس الثاني جزء أساسي من البداية السياسية، لكن المدينة كبرت لأن آلاف الناس جعلوا منها مكاناً صالحاً للحياة.

المدينة مشروع جماعي حتى حين يحمل كتاب التاريخ اسم الحاكم.

الحرفة ذاكرة من نوع آخر

في فاس، الحرف تجعل الماضي مرئياً بطريقة مختلفة عن القصور.

يد تتعلم من يد، وصنعة تنتقل داخل أسرة أو معلم وصبي، ثم تتغير الأدوات ويبقى شيء من الأسلوب.

ليس كل ما نراه اليوم إدريسياً بالطبع. معظم الصورة المعمارية والحرفية التي نربطها بفاس تشكلت عبر عصور لاحقة.

لكن استمرار فكرة المدينة الحرفية يذكرنا بأن التاريخ لا يبقى في الحجر وحده، بل في المهارة.

الطريق إلى الصحراء لم يكن رحلة سياحية

اليوم نستطيع أن ننطلق بالسيارة ونقيس المسافة بالساعات.

القافلة كانت تقيسها بالماء والعلف والحر والبرد والخطر.

حين أذكر سجلماسة، أحاول ألا أحول القوافل إلى صورة رومانسية فقط. التجارة الصحراوية كانت عملاً شاقاً ومخاطرة وحساباً دقيقاً.

لكنها هي التي جعلت مدناً تبدو لنا اليوم بعيدة جزءاً من شبكة عالمية في زمنها.

كل منطقة تحفظ المغرب بطريقتها

فاس تحفظ المغرب في الأزقة والعلم والحرفة. تافيلالت تحفظه في الواحات والقصور والطرق الصحراوية. الأطلس يحفظه في الجبال والقرى. السواحل تحفظ تاريخ البحر والتجارة.

لا أريد أن أختار واحداً منها وأقول هذا هو المغرب الحقيقي.

المغرب الحقيقي هو أن تستطيع كل هذه البيئات أن تكون مختلفة وتبقى في الحكاية نفسها.

ربما لهذا لا أنتهي من اكتشاف البلد حتى وأنا أظن أنني أعرفه.

حين يعود الإنسان إلى مكان قديم

الزيارة الثانية ليست مثل الأولى.

في الأولى ترى المكان. في الثانية تحمل معه ما قرأت.

قد تمر في وليلي أول مرة أمام حجر جميل، ثم تعود بعد أن عرفت شيئاً عن موريتانيا القديمة وروما وإدريس الأول، فيصبح الحجر جزءاً من سؤال أكبر.

المعرفة لا تستبدل السفر. هي تعطي العين طبقة أخرى.

التاريخ الذي نتركه لأطفالنا

أتمنى أن نعلم أبناءنا التاريخ من غير أن نحوله إلى امتحان أسماء وسنوات.

خذ الطفل إلى المكان إن استطعت. دعه يرى وليلي. دعه يمشي في فاس. احك له لماذا يسمى المكان مولاي إدريس. وإذا ذهبت إلى الجنوب، حدثه عن سجلماسة ووادي زيز.

بعد ذلك أعطه التاريخ.

سيجد السنوات مكاناً يسكن فيه.

التواضع أمام الماضي

كلما قرأت أكثر في التاريخ، اكتشفت أن كلمة لا أعرف مهمة مثل المعلومة نفسها.

المؤرخ الجيد لا يخاف من الفراغ، والقارئ لا ينبغي أن يخاف منه أيضاً.

قد تظهر وثيقة غداً، وقد يتغير تفسير أثر، وقد يصحح باحث تاريخاً كررناه سنوات.

احترام الماضي يعني أن نترك له حق مفاجأتنا.

من الطفل إلى القارئ

ربما لهذا أكتب هذه القصص.

الطفل الذي كنتُه رأى الجدران والأبواب والواحة ولم يسأل دائماً من سبقنا.

الرجل الذي كبر يريد أن يسأل، لكن من غير أن يفسد جمال الذكرى بادعاءات لا يملك عليها دليلاً.

بين الذاكرة والوثيقة يوجد مكان جميل للكتابة.

آخر الطريق

بدأنا باسم إدريس، وانتهينا في أكثر من مكان.

وليلي قالت لنا إن المغرب أقدم من الدولة الإدريسية. زرهون قالت إن ذاكرة رجل قد تعيش أطول من حكمه. فاس قالت إن المهاجرين والعلماء والأسر يصنعون المدينة مع الحكام. سجلماسة قالت إن الجنوب كان يكتب تاريخه أيضاً.

ووادي زيز ذكرني بشيء بسيط: ليس ضرورياً أن أعرف اسم كل من مر في الطريق حتى أحترم الطريق.

يكفيني أن أبحث، وأن أفرق بين ما أعرفه وما أتخيله، وأن أترك الباب مفتوحاً لاكتشاف جديد.

FAQ

أسئلة عن الأدارسة وبدايات المغرب

إدريس الأول بن عبد الله، من ذرية الحسن بن علي، استقر في منطقة وليلي في أواخر القرن الثامن بدعم مهم من قبيلة أوربة الأمازيغية.

تستعمل سنة 789 عادة لبداية الحكم الإدريسي، وهو فصل تأسيسي مهم في نشوء سلطة إسلامية مستقلة في المغرب الأقصى.

ارتبط تأسيس فاس بالمرحلة الإدريسية، وأصبحت في عهد إدريس الثاني مركزاً سياسياً مهماً. ثم نمت عبر وصول جماعات من الأندلس والقيروان وتعاقب دول لاحقة.

كان لسجلماسة وتافيلالت مسار سياسي خاص، وارتبطت المدينة بالخوارج الصفرية ثم ببني مدرار، لذلك لا يصح تصوير الجنوب الشرقي كله كامتداد مباشر ومستمر لحكم فاس الإدريسي.

حركة الأسر والأنساب الشريفة عبر المغرب تجعل وجوداً لاحقاً في الجنوب الشرقي ممكناً، لكننا لا نثبت استقراراً إدريسياً مبكراً في قصر مسكي أو الرشيدية من دون وثائق محددة.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Shopping Cart
Scroll to Top