البداية
لم نرد أكثر
من غداء بسيط
كنت في المدينة مع أحد أقاربي، وكان أكبر مني سنًا. وفي لحظة عادية جدًا، قررنا أن نطبخ لأنفسنا طاجينًا.
لم أكن قد صنعت طاجينًا من قبل. وهذا وحده كان كافيًا ليجعل الأمر يبدو مهمًا في عيني.
ذهبنا إلى السوق واشترينا ما نحتاجه: بطاطس، جزر، بصل، طماطم، بعض الأعشاب وقليلًا من اللحم. أشياء بسيطة، وكمية تكفي شابين جائعين.
تفاصيل بقيت في الذاكرة
أعددناه
بكل جدية
عدنا إلى البيت الصغير في المدينة، ذلك المكان الذي كنا نستخدمه أحيانًا. غسلنا الخضروات، قطعناها، ورتبنا كل شيء داخل الطاجين.
وضعناه على نار هادئة وتركناه يأخذ وقته. ثم خرجنا مرة أخرى لنشتري الخبز وما نشربه معه.
بعد ذلك لم يبق أمامنا سوى الانتظار. كنا نتحدث، نضحك، ونعود من وقت إلى آخر لنطمئن عليه.
وكلما رفعنا الغطاء قليلًا، زادت الرائحة من فخرنا. كان أول طاجين أصنعه. ومن الطبيعي أن أراه يومها إنجازًا كبيرًا.
ثم فُتح الباب
كان الطاجين جاهزًا…
ووصل ثلاثة أشخاص
لم نكن ننتظر أحدًا. وكنا قد اقتربنا أخيرًا من اللحظة التي انتظرناها طوال وقت الطهي.
عندها وصل والدي ومعه أحد أقاربنا وصديق.
وكان الطاجين أمامهم، ساخنًا، وقد نضج تمامًا.
المشكلة الوحيدة أنه كان صغيرًا. يكفيني أنا وقريبي، نعم. أما خمسة أشخاص، فلا.
في النهاية أكلوه هم.
أما نحن، فلم نأكل منه شيئًا.
إلى اليوم أضحك كلما تذكرت الموقف. اشترينا المكونات، وقطعناها، وراقبنا النار، وانتظرنا تلك الرائحة بشغف… ثم انتهى أول طاجين صنعته من دون أن أتذوق منه لقمة واحدة.
كنا نظن أننا صنعنا ذلك الطاجين لأنفسنا.
بعد سنوات، صرت أتساءل أحيانًا: هل كان لنا أصلًا؟
ما فهمته لاحقًا
درس صغير
عن الرزق
يومها لم أر في الأمر إلا موقفًا مضحكًا: ثلاثة أشخاص يصلون من غير موعد في اللحظة نفسها التي صار فيها أول طاجين أطبخه جاهزًا للأكل.
لكنني مع مرور السنوات بدأت أنظر إلى تلك الذكرى بطريقة مختلفة.
نحن نضع الخطط. نختار الطريق. نشتري الطعام، ونظن أننا نعرف لمن سيكون. ثم يأتي الرزق أحيانًا من جهة لم نحسب لها حسابًا.
وربما يكون ما حسبناه لنا، في طريقه منذ البداية إلى شخص آخر.
نختار الطريق، ونضع الخطة، ونعدّ الطعام. لكن الرزق يعرف طريقه إلى من كُتب له.
ما حول الذكرى
سوق. سكين. نار.
وانتظار طويل.