من مطبخ مسكي

هالونغ باي…
كأننا من العائلة

لم نجتمع على لغة واحدة.
اجتمعنا على مائدة واحدة.

ما بدا في البداية خطأً بسيطًا في الحجز، تحوّل إلى واحدة من أدفأ الذكريات التي حملتها معي من فيتنام.

هانوي

أنا لا أسافر بعيدًا
لأعيش نسخة مصنوعة للسياح

أنت تعرفني. حين أسافر، أبحث عن المكان كما يعيشه أهله، لا كما يُقدَّم للزائر على طبق مريح ومهذب.

في هانوي كان ذلك يعني أزقة ضيقة، كراسٍ صغيرة على الرصيف، أطباقًا ساخنة تصعد منها الأبخرة، وناسًا يأكلون بسرعة وكأن المدينة كلها تتحرك في إيقاع واحد.

إذا كانت العيدان الخشبية هي لغة المائدة هناك، فأنا آكل بها. لا أحب أن أبقى معلقًا بفكرة الشوكة والسكين فقط لأنني غريب عن المكان.

الأرز، الحساء، الأعشاب، الفو، الأطباق التي تمر بين الأيدي… كل هذا بالنسبة لي جزء من متعة السفر. أن تقترب من العادة، لا أن تكتفي بمشاهدتها من بعيد.

مشهد طعام محلي في شوارع هانوي يستحضر روح الأكل الشعبي والعيدان الخشبية
قارب يشق طريقه بين جبال الحجر الجيري في خليج هالونغ

يومان وليلة

ثم جاء دور
هالونغ باي

كانت زيارتنا الأولى إلى هانوي، ولذلك تعاملنا بحذر في موضوع هالونغ باي. اخترنا وكالة سياحية ورتبنا رحلة تبدو عادية جدًا: يومان، ليلة على القارب، وكل شيء منظم.

صعدنا إلى القارب، وتحركنا بين تلك الصخور الهائلة الخارجة من الماء كأنها جزء من حكاية قديمة.

مرت الساعات الأولى، وبدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.

لم يكن هناك سياح تقريبًا.

أو بالأحرى: نحن كنّا الغريبين في ذلك المكان. ومع ذلك لم نأتِ إلى هناك لعدّ السياح، فتركنا الملاحظة في زاوية الذهن وأكملنا الرحلة.

مع المساء

طاولة لنا وحدنا…
وسط عائلة كاملة

حان وقت العشاء، واجتمع الجميع في وسط القارب. وإذا بنا نجلس وحدنا على طاولة صغيرة، بينما تقابلنا مائدة كبيرة حولها عشرون شخصًا تقريبًا أو أكثر، واضح جدًا أنهم جميعًا من عائلة واحدة.

لم تمض دقائق حتى قام كبيرهم، أو من بدا أنه صاحب الكلمة بينهم، واتجه إلينا.

أفسح لنا مكانًا بينهم، وبإشارات بسيطة وكلمات قليلة فهمنا الرسالة كلها:

نحن عائلة واحدة…
ولن تظلوا جالسين وحدكم.

عائلة فيتنامية كبيرة تشارك مائدتها مع ضيفين على متن القارب
لم تكن بيننا لغة مشتركة.
لكن المائدة قامت بما لم تقم به الكلمات.
أطباق فيتنامية مشتركة على مائدة عائلية فيها أرز وحساء وخضار

ثم تكلم الطعام

أطباق تتحرك.
وكؤوس ترتفع.

ما إن جلسنا بينهم حتى اختفى الحاجز بسرعة. بدأوا يضعون لنا من أطباقهم، ويمررون إلينا ما يأكلونه هم دون تكلّف أو استعراض.

أرز. شوربة. خضار. بعض اللحم. أطباق تتحرك من يد إلى يد، وعيدان خشبية في كل مكان.

رفعوا كؤوسهم لنا، فرفعنا كؤوسنا لهم. حاول البعض أن يتحدث. حاولنا أن نفهم. ضحك شخص، فضحك الجميع.

هم يتكلمون الفيتنامية، وأنا أتكلم العربية والإنجليزية. والإنجليزية لم تكن مفيدة كثيرًا تلك الليلة.

لكن الكرم كان يترجم كل شيء.

لغة أخرى

هناك أشياء لا تحتاج إلى ترجمة

الطبق حين يُدفع نحوك يقول شيئًا. واللقمة حين توضع في وعائك تقول شيئًا. والمقعد حين يُقرب لتجلس أقرب يقول شيئًا أيضًا.

لم أفهم جملهم، وهم لم يفهموا جُملي. لكننا جميعًا فهمنا المعنى الأهم في تلك اللحظة:

تعالوا… كُلوا معنا.

والليلة لم تنته هنا

بعد العشاء…
جاء دور الكاراوكي

بعد أن انتهينا من الأكل، دعونا لنشاركهم السهرة والكاراوكي الذي رتّبوه لأنفسهم. عندها زال آخر خيط يفصل بين "عائلتهم" و"الغريبين" القادمين من خارج المشهد.

أكلنا معهم، وضحكنا معهم، والآن يبدو أننا سنغني معهم أيضًا. وربما الصراحة تقول إن وجود لغة مشتركة ما كان ليحسّن الغناء أصلًا.

سهرة عائلية دافئة على متن قارب في هالونغ باي
فطور فيتنامي على القارب مع حساء وأرز وأعشاب وعيدان خشبية

وفي الصباح

عدنا إلى
المائدة نفسها

جاء الصباح، وكأن شيئًا طبيعيًا جدًا قد استقرّ بيننا. جلسنا مرة أخرى معهم على الفطور، بالدفء نفسه، والبساطة نفسها.

الحساء، الأرز، الأعشاب، العيدان الخشبية، والمنظر الهادئ للخليج من حولنا. الجميل في الأمر أنه لم يحتج إلى خطبة ترحيب طويلة. لقد استقبلونا بالفعل منذ الليلة السابقة، وانتهى الأمر.

لاحقًا فهمنا القصة

هل كان ذلك القارب
هو القارب الخطأ؟

بعد ذلك اتضح لنا أن الأمر لم يكن مجموعة سياحية تقليدية. كانت عائلة من إحدى القرى قد استأجرت القارب لتقضي وقتًا معًا.

وبسبب خطأ من الوكالة، وجدنا أنفسنا نحن الاثنين وسط تلك العائلة.

يمكن للمرء أن يصف ما حدث بأنه خطأ إداري بسيط. وهذا صحيح من حيث الظاهر.

لكنني لم أتذكره يومًا بهذه الطريقة فقط.

أما أنا فأحب أن أراه هكذا

قارب بدا خطأً…
لكن سببه كان صحيحًا

هناك من سيقول: مجرد خطأ من الوكالة، لا أكثر. وربما هذا هو التفسير المباشر فعلًا.

لكنني أحب أن أرى في تلك الذكرى معنى آخر. في آخر الدنيا تقريبًا، وفي بلد لا أتحدث لغته، أراد الله أن يهبني الشيء الذي أبحث عنه دائمًا حين أسافر: أن ألمس الثقافة من داخلها، لا أن أكتفي بالنظر إليها من الخارج.

ذهبنا نبحث عن هالونغ باي، فإذا بنا نجد مائدة عائلية، وكرمًا صادقًا، ودفئًا يشبه البيت.

ربما كان القارب "الخطأ"…
لكنه أوصلنا إلى المعنى الصحيح.

صباح هادئ فوق مياه هالونغ باي وجبالها الحجرية

هالونغ باي… كأننا من العائلة

وصلنا كغريبين.
وبحلول العشاء كان هناك من فتح لنا مكانًا على مائدته كأننا من أهل البيت.

العودة إلى مطبخ مسكي
Shopping Cart
Scroll to Top