ليالي رمضان
مائدة تجعلنا
نحتار من أين نبدأ
كان رمضان عندي شهرًا جميلًا بكل معنى الكلمة. ومع اقتراب المغرب، كانت المائدة تمتلئ شيئًا فشيئًا حتى يبدو كأن الرزق جاء كله في لحظة واحدة.
تمر هنا، وحريرة هناك، وشباكية، وخبز، وأطباق صغيرة وكبيرة… وأحيانًا كنا فعلًا لا نعرف من أين نبدأ.
حين أتذكر تلك الموائد اليوم، لا أتذكر كثرة الأطباق فقط. أتذكر الانتظار، والفرح، والشعور بأن البيت كله يستعد للحظة واحدة.
البداية التي أحببتها
كنت أبدأ
بالتمر
أحببت أن أبدأ إفطاري بالتمر.
وأكثر ما كان يعجبني منه ذلك القوام الذي لا هو جاف تمامًا ولا طري تمامًا. شيء في المنتصف.
كنت أجد هذا الإحساس في تمر المجهول، وأحيانًا في دقلة نور الجزائرية.
اليوم تغيّرت ذائقتي بعد أن عرفت أصنافًا كثيرة، لكن ذلك القوام بقي مرتبطًا عندي برمضان الأول الذي عرفته في البيت.
اتركيها تتحمر أكثر
كنت أحب الشباكية
برونزية ومقرمشة
أحببت الشباكية حلوة، مشبعة، ومليئة بالنكهة.
لكنني كنت أطلب من أمي أن تترك حصتي على النار أكثر قليلًا. أريدها أغمق لونًا، محمرة أكثر، ومقرمشة فعلًا.
كنت أحب ذلك الصوت الصغير حين تنكسر في الفم، أكثر من الشباكية الطرية.
يومها، لم أكن أفكر كثيرًا في نوع العسل أو في جودته. كنت أريد فقط طعمي الذي أعرفه. أما اليوم، وبعد أن تعمقت أكثر في عالم العسل، فأبتسم حين أتذكر كم كنا نستعمل كلمة “عسل” ببساطة.
في آخر الوعاء
كنت أبحث
عن الحمص
أحببت الحريرة، لكن ما كنت أبحث عنه حقًا هو الحمص.
كنت أريده كثيرًا، مستقرًا في أسفل الوعاء، كأنه المكافأة التي تنتظرني في النهاية.
وأحيانًا، كنت أغمس حبة تمر في الحريرة.
قد تبدو الفكرة غريبة للبعض. بالنسبة إليّ، كانت لذيذة جدًا.
كانت المائدة ممتلئة،
لكن القلب كان يعرف إلى أي طعم سيعود.
أما المفضل حقًا
هنا لم يكن
عندي تردد
كنت أحب المسمن أيضًا، لكن إن أردت أن أقول ما كنت أنتظره فعلًا، فالجواب ليس المسمن.
كان المفضل عندي المطلوع الساخن، المطهو على النار فوق الصاج، لا في الفرن.
وهو ما يزال ساخنًا، كنت أضغط عليه بأصابعي حتى أصنع فيه فتحات صغيرة.
ثم يأتي السمن. كثير من السمن.
وبعده العسل. كثير من العسل أيضًا. إلى أن يتشرب الخبز فعلًا.
وحتى بعد أن يتشربه، كنت أغمس القطعة مرة أخرى.
رائحة لا يحبها الجميع
أما أنا،
فكنت أحبها
كثيرون لا يحبون السمن. وحتى بعض أبناء عمومتي لم يكونوا يطيقون رائحته.
أما أنا، فقد نشأت معه. وكنت أحب رائحته، خصوصًا السمن التقليدي.
هذه الرائحة ما زالت تأخذني مباشرة إلى جدتي، وإلى بيت الخزين، ذلك المكان الذي كنا نعرف أن فيه أشياء البيت التي لا توجد في أي مكان آخر.
أحيانًا كنا نذهب إليها ونطلب منها السمن. ولهذا، لم يعد عندي مجرد مكوّن يوضع على الخبز.
أحيانًا، رائحة واحدة تفتح باب غرفة غابت منذ زمن.
والشاي حاضر
به يكتمل
الطعم
المطلوع ساخن. السمن واضح الرائحة. والعسل يدخل في كل فتحة صنعتها بأصابعي.
وبجانبه كأس شاي.
لم أكن أحتاج إلى أكثر من ذلك.
ما بقي من رمضان
جوع.
رزق. شكر.
كانت المائدة في رمضان عامرة، لكن الذي بقي في الذاكرة ليس الكثرة وحدها.
بقي الانتظار. أول حبة تمر. الحريرة. الشباكية كما أحببتها. الخبز الساخن. رائحة السمن. وكأس الشاي.
واليوم، حين أعود إلى هذه التفاصيل، أراها كلها رزقًا يأتي بعد يوم من الصيام.
تفاصيل لا تنسى
تمر. حريرة.
عسل. شاي.
مائدتي في رمضان
كان بعضهم ينتظر الطبق الرئيسي.
أما أنا، فكنت أنتظر المطلوع الساخن بالسمن والعسل.