قبل أن تستيقظ الأبراج، تكون الصحراء قد بدأت يومها.

قبل أن تستيقظ المدينة
هناك أشياء لا تُفهم في الإمارات من خلف زجاج الفندق، ولا من نافذة مركز تجاري، ولا حتى من أعلى برج مهما كان المشهد مدهشاً. سباقات الهجن واحدة منها. لكي تقترب منها حقاً عليك أن تستيقظ باكراً، قبل أن تشتد الشمس وقبل أن تمتلئ الطرق، وأن تخرج باتجاه الصحراء بينما المدينة ما زالت تتقلب في نومها. في المرموم بدبي أو في الوثبة بأبوظبي، يبدأ يوم آخر له إيقاع مختلف تماماً عن إيقاع الأبراج والمكاتب.
في ذلك الوقت من الصباح تكون الصحراء أكثر هدوءاً، لكن الميدان ليس نائماً. سيارات تتحرك بمحاذاة المضمار، مضمرون يتابعون المطايا، رجال يعرفون ما الذي ينظرون إليه حتى لو بدا للزائر أن الإبل كلها متشابهة، وأكواب قهوة صغيرة تنتقل بين الأيدي. هنا لا تشعر أنك دخلت عرضاً أُعد للسائح. الناس موجودون لأن السباق يعني لهم شيئاً، وسيكونون موجودين سواء جئت أنت أم لم تأت.
وهذه ربما أجمل بداية لفهم الهجن في الإمارات. ليست صورة قديمة معلقة على جدار، وليست فقرة تراثية تسبق عرضاً حديثاً. إنها حياة مستمرة، تتغير أدواتها ولا تختفي روحها.
الإبل ليست مجرد رمز للصحراء
نحن نكرر صورة الجمل حتى نكاد ننسى الحيوان نفسه. نضعه في الصور السياحية، وعلى الهدايا، وفي الحكايات عن الصحراء، فيتحول شيئاً فشيئاً إلى رمز عام. لكن أهل الإبل لا يرون «جملاً» فقط. يرون اسماً ونسباً وطباعاً وجسداً وحركة وذاكرة. يعرف صاحب المطية كيف تمشي، وكيف تستجيب، ومتى تكون في أفضل حالاتها، وقد يرى المضمر في نظرة أو خطوة ما لا يراه الزائر بعد ساعة كاملة.
قبل قيام دولة الإمارات الحديثة بوقت طويل، كانت الإبل جزءاً من القدرة على العيش والتنقل في بيئة شديدة القسوة. حملت الناس والمتاع، وكان لبنها غذاءً، وربطت بين أماكن لا تصل بينها طرق معبدة. لذلك لم تأت مكانتها من فراغ، ولم تُصنع لاحقاً لأجل السياحة. وحين تحولت المنافسات القديمة إلى سباقات منظمة ومضامير ومهرجانات كبيرة، تغير شكل العلاقة، لكن الذاكرة التي تقف خلفها بقيت حاضرة.
ربما لهذا السبب يصعب أن تفهم سباقات الهجن إذا نظرت فقط إلى خط النهاية. الدقائق التي تركض فيها المطية هي الجزء الظاهر. أما القصة الحقيقية فتبدأ قبل ذلك بسنوات من التربية والعناية والتدريب والمعرفة.
من سباق بين الناس إلى رياضة لها ميادينها
كانت سباقات الإبل قديماً ترتبط بالمناسبات والتجمعات والأفراح، وكان التنافس بين أصحاب الإبل أمراً طبيعياً في مجتمع يعرف الحيوان ويقدّر صفاته. بعد قيام الاتحاد، أخذت السباقات شكلاً أكثر تنظيماً، وأنشئت الميادين واتسعت المهرجانات ودخلت الجوائز الكبيرة، وأصبح للهجن عالم تنافسي كامل من الملاك والمضمرين والمربين والمتابعين.
لكن اختزال السباق في الجوائز يظلم القصة. المال قد يرفع قيمة المنافسة، لكنه لا يفسر لماذا يجلس رجل كبير في السن ليتحدث عن مطية عرفها قبل أعوام، ولا لماذا يصطحب أب ابنه معه في الصباح الباكر، ولا لماذا تصبح بعض الأسماء معروفة في المجالس. وراء السباق معرفة اجتماعية وعائلية، ووراء المعرفة رغبة في ألا ينقطع شيء كان جزءاً من حياة الأجداد.
التراث الحي لا يحتاج إلى من يشرح لنا كل صباح أنه تراث. يكفي أن نجد من يمارسه غداً.
المرموم: دبي التي لا تظهر دائماً في الصور
حين نقول دبي، تقفز إلى الذهن صور معروفة: برج خليفة، شارع الشيخ زايد، المارينا، نخلة جميرا، الفنادق والمطاعم والأسواق. وكل هذا جزء حقيقي من دبي، ولا حاجة إلى إنكاره كي نبحث عن شيء «أصيل». لكن المشكلة تبدأ حين نظن أن هذه هي دبي كلها.
في المرموم تتغير الصورة. الصحراء أوسع من المباني، والمضمار أهم في تلك اللحظة من أي واجهة زجاجية، والسيارات التي تتحرك بجانب الهجن لا تطارد مشهداً سياحياً بل تتابع سباقاً حقيقياً. وجود ميدان كبير لسباقات الهجن في دبي يذكّرنا بأن الإمارة التي أصبحت رمزاً عالمياً للحداثة ما زالت تحمل داخلها عالماً صحراوياً لم يختف.
وأنا أحب هذه التناقضات في الإمارات. يمكنك أن تشرب قهوتك في فندق فاخر مساءً، ثم تستيقظ في اليوم التالي قبل الشروق لتجد نفسك في المرموم تراقب الهجن وهي تستعد للركض. الاثنان موجودان في المكان نفسه، ولا يحتاج أحدهما إلى إلغاء الآخر.
الوثبة: حين يصبح الصباح جزءاً من الحكاية
في أبوظبي، يأخذ ميدان الوثبة القصة إلى مساحة أخرى. الطريق إلى هناك يخرج بك من المدينة شيئاً فشيئاً، وكلما ابتعدت اتسعت الأرض وبدأت الصحراء تفرض حضورها. الوصول باكراً ليس مجرد نصيحة عملية. الصباح نفسه جزء من التجربة، فالهواء ألطف، والحركة تبدأ قبل أن ترتفع الشمس، والناس الذين يعيشون هذا العالم يعرفون أن يوم الهجن لا ينتظر من يستيقظ متأخراً.
المهرجانات والسباقات الكبرى في الوثبة يمكن أن تجمع أعداداً هائلة من المطايا والملاك والمضمرين. ومع ذلك، وسط هذا الحجم الكبير، تبقى العلاقة فردية جداً. كل مطية لها أهلها، وكل نتيجة وراءها انتظار وعمل، وكل خسارة أو فوز يذهب مع أشخاص يعرفون كم من الوقت سبق تلك الدقائق القليلة على المضمار.
وقريباً من العين توجد ميادين أخرى مثل المقام، وهو ما يذكّر بأن سباقات الهجن ليست نقطة واحدة على خريطة السياحة، بل ثقافة منتشرة داخل المجتمع ومتصلة بمناطق مختلفة من الإمارات.
المطية لا تستيقظ صباح السباق وتقرر أن تصبح بطلة
وراء كل مطية سباق ناجحة تفاصيل كثيرة لا يراها الجمهور. التربية والأنساب، الغذاء، التدريب، الراحة، المتابعة البيطرية، وزن الحيوان وحالته، والمسافات المناسبة لعمره وفئته. يعرف المضمر أن الحماس وحده لا يصنع الفوز، وأن جسد الحيوان له توقيته الخاص.
هذا الجانب يعجبني لأنه يعيدنا إلى معنى الصبر. نحن نعيش في زمن نريد فيه كل شيء سريعاً: توصيل سريع، سفر سريع، نتيجة سريعة. لكن الحيوان لا يهتم باستعجالنا. لا تستطيع أن تختصر سنوات التربية في أسبوع، ولا أن تفرض على الجسد موسماً ليس موسمه. هناك أشياء في الصحراء ما زالت ترفض السرعة البشرية حتى وهي تشارك في سباق.
السباق نفسه سريع، أما الوصول إليه فبطيء جداً.
الراكب الآلي: حين دخلت التقنية إلى قلب التراث
أكثر ما يلفت انتباه من يشاهد السباق لأول مرة هو ذلك الجهاز الصغير فوق ظهر المطية. الراكب الآلي يبدو غريباً في البداية، كأنه قطعة جاءت من عالم آخر ووُضعت فوق حيوان ارتبط في الذاكرة بحياة قديمة. لكن قصته أهم بكثير من شكله.
في منتصف العقد الأول من الألفية، اتجهت الإمارات إلى منع استخدام الأطفال في سباقات الهجن، وأصبح الراكب الآلي حلاً عملياً سمح للرياضة بالاستمرار بطريقة مختلفة. تطورت النماذج بسرعة، واستُخدمت أجهزة خفيفة يمكن التحكم بها عن بعد، مع أنظمة صوتية تساعد المضمر على التواصل مع المطية أثناء السباق. ومن الإمارات انتشرت هذه التقنية أيضاً إلى ميادين أخرى في الخليج.
هذه النقطة تستحق التوقف. أحياناً نتعامل مع التراث كأن أمامه خيارين فقط: أن يبقى كما كان حرفياً، أو أن يموت. تجربة الهجن تقول شيئاً آخر. يمكن للتقنية أن تدخل، ويمكن للقواعد أن تتغير، ويمكن للأدوات أن تتطور، بينما يبقى جوهر العلاقة والمنافسة حاضراً.
ليس كل جديد عدواً للقديم. أحياناً يكون الجديد هو الذي يسمح للقديم بأن يستمر.
سباقان في اللحظة نفسها
حين تنطلق المطايا، انظر إلى جانب المضمار أيضاً. هناك سباق آخر تقريباً. سيارات الدفع الرباعي تتحرك في الطريق الموازي، والملاك والمضمرون يتابعون مطاياهم، والأصوات تأتي عبر أجهزة الاتصال، والراكب الآلي يُدار عن بعد. لمن يشاهد للمرة الأولى قد تبدو الصورة فوضوية، لكنها بالنسبة لأهلها نظام معروف.
هذا المشهد يميز سباقات الهجن عن كثير من الرياضات التي يجلس فيها المتفرج ثابتاً في مدرج. هنا يتحرك جزء من الفريق مع الحيوان. الجميع يريد أن يبقى قريباً من اللحظة، يرى المطية ويشجعها ويتابع استجابتها. تغيرت الوسيلة من زمن إلى زمن، لكن الرغبة في مرافقة الحيوان بقيت.
المطية تركض في مسار، وأهلها يركضون معها بطريقتهم في المسار الآخر.
الأسماء والأنساب والذاكرة
للهجن أسماء، والأسماء ليست تفصيلاً صغيراً. الاسم يمكن أن يصبح معروفاً، وأن يرتبط بانتصار أو موسم أو مالك أو سلالة. وعند أهل الخبرة، الأنساب ليست حديثاً للزينة، بل جزء من تقييم المطية ومن تاريخ التربية نفسها.
هنا يظهر الفرق بين من يرى الحيوان من بعيد ومن يعيش معه. الزائر قد يقول: كانت تلك الناقة جميلة وسريعة. أما صاحبها فيستطيع أن يحكي لك من أين جاءت، وما الذي يميزها، وكيف كان أداؤها في موسم سابق، وما الذي يتوقعه منها لاحقاً. الذاكرة تتراكم حول الحيوان حتى يصبح جزءاً من قصة العائلة والميدان.
لذلك فإن صورة الجمل أمام غروب الشمس جميلة، لكنها ليست إلا أول صفحة من كتاب طويل.
المجلس ليس بعيداً عن المضمار
لا تنتهي القصة حين ينتهي الشوط. في المجالس والاستراحات يستمر الحديث. تُصب القهوة، تُناقش النتائج، تُذكر مطايا قديمة، يختلف اثنان حول رأي في سلالة أو تدريب، ويستمع الأصغر سناً إلى كلام قد لا يعرف في تلك اللحظة أنه سيبقى في ذاكرته.
هكذا تنتقل أشياء كثيرة في مجتمعاتنا. ليس عبر درس رسمي يبدأ بعنوان وينتهي باختبار، بل عبر الجلوس. الطفل يسمع اسماً اليوم، ثم يسمعه بعد شهر، ثم يعرف قصته بعد عام. يرى كيف ينظر أبوه أو جده إلى المطية، ويسأل، ثم يصبح ما كان غريباً عليه جزءاً من معرفته.
العائلة مهمة هنا، لأن التراث الذي لا يجد مكاناً داخل الأسرة يصبح هشاً مهما كثرت المهرجانات. المؤسسات تستطيع أن تحفظ الوثائق وتنظم الفعاليات، لكن البيت والمجلس يحفظان النبرة والتفاصيل والذكريات الصغيرة.
قهوة عربية قبل أن تشتد الشمس
لا أعرف لماذا يصبح فنجان القهوة ألذ أحياناً حين يكون المكان أبسط. يمكن أن أشرب قهوة عربية ممتازة في فندق جميل، في فنجان فاخر وعلى طاولة مرتبة بعناية، وأستمتع بها فعلاً. لكن فنجاناً صغيراً قرب الصحراء في الصباح، بينما الناس يتحدثون عن السباق، يحمل شيئاً آخر لا تستطيع الخدمة الفاخرة أن تشتريه.
ربما هو الهواء البارد قبل أن تشتد الشمس. ربما رائحة الصحراء. وربما لأن أحداً لا يحاول أن يصنع لك «تجربة». القهوة موجودة، وأنت موجود، فيُصب لك الفنجان. تمر التمرة من يد إلى يد، ويستمر الكلام، ثم يلتفت الجميع فجأة لأن شوطاً جديداً بدأ.
هذه من صور الضيافة التي أحبها. لا تحتاج إلى مبالغة. فنجان صغير يكفي أحياناً ليقول للضيف: أنت بيننا.

الإبل والاقتصاد القديم للحياة
من الصعب اليوم، ونحن نقطع المسافات في سيارات مكيفة وعلى طرق سريعة، أن نتخيل القيمة العملية للإبل في حياة الأجيال السابقة. الحيوان الذي أصبح اليوم بطلاً في مضمار كان في زمن آخر وسيلة حركة وغذاء وثروة وقدرة على عبور المسافات. تغيرت الوظيفة، لكن الذاكرة الاجتماعية لا تتغير بالسرعة نفسها.
حين يحتفي الناس بالهجن اليوم فهم لا يحتفون فقط برياضة. هناك في الخلفية اعتراف بحيوان ساعد الإنسان على العيش في أرض صعبة. وهذا لا يعني أن حياة الماضي كانت قصيدة رومانسية بلا تعب. بالعكس، كانت الظروف قاسية، وربما لهذا تحديداً أصبحت الأشياء التي ساعدت الناس على تجاوزها ذات قيمة عاطفية كبيرة.
السيارة أخذت مكاناً من وظائف الإبل، لكنها لم تستطع أن تأخذ مكانها من الذاكرة.
حين كانت القصيدة تسافر أيضاً
ارتبطت الإبل في حياة البادية أيضاً بالشعر والصوت. ومن أشكال هذا التراث «التغرودة»، وهي شعر بدوي مُغنّى أو مُنشد ارتبط تاريخياً بركبان الإبل والتنقل، ثم بقي حاضراً في مناسبات اجتماعية ووطنية وسباقات الهجن. أبيات قصيرة، صوت يجيب صوتاً، وكلمات تحمل المدح والحنين والشجاعة والحكمة.
تعجبني هذه الصورة لأن الإنسان في الصحراء لم يكن ينقل جسده فقط من مكان إلى مكان. كان يحمل اللغة معه. الإبل تحمل المسافر، والقصيدة تحمل ذاكرته. وحين يردد شخص بيتاً فيسمعه آخر ويحفظه، تسافر الكلمات أحياناً أبعد من أصحابها.
اليوم قد تسمع هدير السيارات حول المضمار أكثر مما تسمع وقع خطوات رحلة قديمة، لكن خلف الضجيج الحديث توجد طبقات أقدم من العلاقة بين الإنسان والإبل والصحراء والصوت.
ليست قطعة في متحف
لو بقيت سباقات الهجن مجرد عرض تراثي يقام للسياح مرات قليلة في السنة، لكانت جميلة ومفيدة، لكنها لن تكون الشيء نفسه. ما يجعلها مهمة اليوم أن المنافسة حقيقية. المالك يريد الفوز، والمضمر يعمل، والمربي يختار ويتابع، والمهرجانات تجمع أهل هذه الرياضة من الإمارات ومن دول خليجية أخرى.
لهذا تعيش سباقات الهجن في منطقة جميلة بين الماضي والحاضر. هي تراث، لكنها أيضاً منافسة واقتصاد. هي ذاكرة عائلية، لكنها تستخدم الطب البيطري الحديث وأجهزة التحكم والسيارات والراكب الآلي. فيها حنين، لكنها ليست أسيرة الحنين.
حين نقول «رياضة تراثية» يجب ألا ننسى الكلمة الأهم: حية.
إذا أردت أن تزور المرموم أو الوثبة
من يريد مشاهدة سباقات الهجن في الإمارات عليه أولاً أن يتخلى عن فكرة أن كل شيء سيعمل مثل مباراة في ملعب تقليدي. مواعيد السباقات والمواسم تختلف، ومن الأفضل دائماً التأكد من البرنامج الحالي قبل الانطلاق. المرموم هو الاسم الأشهر في دبي، والوثبة من أهم ميادين أبوظبي، كما توجد ميادين أخرى مرتبطة بهذا العالم.
اذهب باكراً، والبس بما يناسب الصباح والصحراء واحترام المكان، ولا تتعامل مع الناس والحيوانات كأنهم موجودون لأجل صورك. راقب التحضير قبل الشوط. انتبه إلى الراكب الآلي وإلى السيارات التي تتحرك بمحاذاة المضمار. استمع إلى الأحاديث حتى لو لم تفهم كل كلمة. أحياناً يكفي أن ترى كيف ينظر الناس إلى شيء حتى تعرف مقدار أهميته عندهم.
ولا تغادر بعد أول صورة. خط النهاية يستغرق ثواني، أما الثقافة فموجودة في كل ما يحيط به.
المرموم والوثبة ليسا نسخة واحدة
من السهل أن يكتب الزائر عن ميادين الهجن كما لو كانت كلها التجربة نفسها مع تغيير اسم المكان. لكن المكان يصنع جزءاً من المعنى. المرموم يكشف وجهاً صحراوياً من دبي قد يضيع خلف صورتها العالمية الحديثة. الوثبة تدخل في جغرافية أبوظبي الواسعة وتقترب من طرق العين وعالم أكبر من المزارع والهجن والصحراء.
التقليد مشترك، لكن التجربة ليست متطابقة. وهذا أمر نراه كثيراً في الخليج: القهوة عربية في أكثر من بلد، لكن مذاقها وطريقة تحضيرها تتغير. المجلس موجود، لكن تفاصيله تختلف. السدر موجود في أكثر من أرض، لكن العسل لا يصبح واحداً. القرب الثقافي لا يلغي خصوصية المكان.
كلما اقتربنا من التفاصيل، أصبحت المنطقة أغنى.
ما الذي يبقى للأبناء؟
السؤال الحقيقي لأي تراث ليس فقط: من أين جاء؟ بل: من سيحمله بعدنا؟ يستطيع الأب أن يأخذ ابنه إلى الميدان، وأن يشرح له أسماء الهجن، وأن يجعله يسمع قصصاً عن جده. لكن الابن لن يحافظ على هذا العالم لمجرد أن أحداً أمره بذلك. يجب أن يجد فيه معنى يخص زمنه أيضاً.
وهنا تبدو قدرة سباقات الهجن على التكيف مهمة. الجيل الجديد يعيش في عالم مختلف تماماً عن عالم الأجداد. التقنية جزء من يومه، والمدن تغيرت، والتعليم والعمل والحياة تغيرت. ومع ذلك يستطيع أن يرى الراكب الآلي فوق المطية، وأن يفهم أن التراث نفسه تعلم لغة جديدة.
كما أن حفظ ثقافة الإبل ليس قصة رجال وحدهم. للنساء أيضاً أدوار في الملكية والتربية والبحث وتنظيم الحياة العائلية ونقل الذاكرة. الأسرة كلها تحمل أجزاء من الحكاية، حتى إن كانت صورة المضمار الظاهرة أمامنا تركز غالباً على الرجال والمضمرين والسيارات.
لماذا يهم هذا في بلد يتحدث كثيراً عن المستقبل؟
الإمارات تعرف كيف تقدم المستقبل للعالم. مدن عمودية، جزر، مطارات، تقنيات، مشاريع لا تخاف من الحجم. وهذه ليست صورة مصطنعة؛ الطموح الحديث جزء حقيقي من شخصية الدولة. لكن المستقبل يصبح أجمل حين يعرف ماذا يحمل معه من الماضي.
سباقات الهجن مثال واضح. لا توجد ضرورة للاختيار بين الراكب الآلي والتراث. الراكب الآلي نفسه أصبح جزءاً من قصة التراث لأنه يسجل كيف تعامل المجتمع مع تغير القوانين والأخلاق والتقنية. جهاز تحكم عن بعد يمكن أن يوجد في القصة نفسها مع قصيدة قديمة، وسيارة حديثة يمكن أن تسير بجوار حيوان كانت أجداده تعبر الأرض قبل وجود الطريق.
هذا ليس تناقضاً. هذه طريقة من طرق الاستمرار.
حين ينتهي الصباح
ترتفع الشمس، ويتغير لون الصحراء، ويصبح الهواء أكثر حرارة. تنتهي أشواط، تغادر سيارات، وتنتقل الأحاديث إلى مكان آخر. ثم تعود أنت باتجاه المدينة. شيئاً فشيئاً تظهر المباني والإشارات والزحام، وتعود الإمارات التي يعرفها الزائر سريعاً.
لكن الصباح يبقى معك. قد تتذكر سرعة المطية التي لم تكن تتوقعها، أو ذلك الراكب الآلي الصغير فوق ظهرها، أو السيارات التي كانت تسابقها من الجانب. وقد تتذكر ببساطة فنجان قهوة شربته وأنت واقف في مكان لم يكن يحاول أن يبهرك.
بالنسبة لي، أجمل ما في الأمر أن الميدان لم يكن يحتاج إليّ. لم يكن المشهد ينتظر وصولي كي يبدأ. كانت هناك حياة كاملة قبلي، وستستمر بعد أن أغادر.
مسكاوي
«التراث لا يبقى حياً لأننا نصوره، بل لأن شخصاً ما سيستيقظ غداً قبل الشروق ويمارسه من جديد.»
— مسكاوي
الطريق إلى البيت
إذا ذهبت يوماً إلى المرموم أو الوثبة، فلا تذهب فقط لكي تقول إنك شاهدت سباق هجن في الإمارات. حاول أن تفهم لماذا ما زال الناس يأتون. انظر إلى المزارع والمضمرين والعائلات، إلى التقنية والقهوة، وإلى المعرفة التي تنتقل بهدوء من جيل إلى جيل.
في الماضي كانت الإبل تحمل الناس عبر هذه الأرض لأن الخيارات كانت قليلة. واليوم تملك الإمارات طرقاً سريعة ومطارات ومدناً تصل إلى العالم كله. لا أحد يحتاج إلى مطية سباق كي يصل إلى دبي أو أبوظبي.
ومع ذلك، قبل أن تشرق الشمس تماماً، ما زال الناس يجتمعون ليروها تركض.
وربما تكفي هذه الجملة وحدها لفهم لماذا ما زالت الحكاية حية.
