٠١ · قبل الطعام
المائدة تبدأ
قبل أن نأكل
بعض الذكريات لا تبدأ بالطعام نفسه. تبدأ بحركة صغيرة تسبقه.
يأتي أحدهم بالماء والطست.
تمتد الأيدي واحدة بعد أخرى. يُصب الماء. وتُغسل اليدان.
لا أحد يعلن أن الطعام سيبدأ. لا حاجة لذلك.
يقترب الناس. يوضع الخبز. ويتغير جو الغرفة من تلقاء نفسه.
قبل أن نهتم بما في الطبق، كنا ننتبه لمن يجلس حوله.
٠٢ · الطبق الواحد
حين نتقاسم الطبق
يتغير معنى الوجبة
أحب الطبق المشترك.
لا أراه الطريقة الوحيدة للأكل. ولا أريد أن أفرضه على أحد.
لكنه يمنح المائدة شيئاً مختلفاً.
تصبح واعياً بمن حولك. تمتد يد. تُقطع قطعة خبز. ويستمر الكلام.
والطعام ينقص أمام الجميع في الوقت نفسه.
هناك فرق بين أن تأكل قرب الناس، وأن تأكل معهم.
٠٣ · الخبز
يصل كاملاً
للخبز مكانه قبل أن تبدأ الأيدي في الأكل.
يكون كاملاً. محفوظاً في القماش.
ثم يُقسم باليد ويُمرر بين الجالسين.
وإذا استطعت أن أختار، أحب أن يكون خبز هذه المائدة قريباً من الطريقة القديمة.
فرن من تراب. نار حطب. وخبز ساخن له رائحة لا تحتاج إلى شرح.
أحياناً يحمل رغيف بسيط جوّ بيت كامل.
٠٤ · التفاصيل الصغيرة
المعنى يسكن
في أشياء لا ننتبه لها
الشاي يأتي غالباً قبل الطعام.
وله إيقاعه. يُصب. يعود إلى البراد. يُضاف النعناع. ويستمر التحضير حتى يصبح كما ينبغي.
الخبز ينتقل من يد إلى يد. الماء يُجلب. وأحدهم يفسح مكاناً لغيره.
من يكبر داخل هذه العادات يظنها أموراً عادية. ثم يبتعد، فيفهم أنها كانت تصنع الجو كله.
٠٥ · ما أريد أن يبقى
نحفظ.
نغيّر.
ونختار.
لا أرى الوفاء للماضي في أن نقلده حرفاً بحرف.
التقليد الذي لا يستطيع أن يعيش في زمن جديد يتحول إلى صورة معلقة على الجدار.
يمكن للطبق المشترك أن يبقى. وغسل اليدين. والشاي. والخبز.
أما شكل الغرفة فيمكن أن يتغير. قد يفضل أحدهم مائدة منخفضة. وقد يختار آخر الجلوس على الأرض.
لا أريد أن أعيد بناء الماضي كما لو كنت أعيد تصوير مشهد قديم.
أريد أن يبقى المعنى الذي كان يسكن تلك الحركات.
٠٦ · المكان
قريبون من الأرض
وقريبون من بعضنا
في مسكي، أحب أن أتخيل الوجبة حول مائدة شديدة الانخفاض.
وفي بيوت خليجية كثيرة، قد يجلس الناس على الأرض من دون مائدة أصلاً.
يختلف الشكل من بلد إلى آخر. وهذا لا يزعجني.
ما أحبه هو القرب.
سجاد. وسائد. خبز في متناول اليد. والطبق في الوسط.
حين يقترب الجسد من المكان، يقترب المجلس من نفسه.
٠٧ · الأكل باليد
حين لا يكون
بينك وبين الطعام شيء
ما زلت أحب أن آكل بيدي.
لا لأن على الجميع أن يفعلوا مثلي. كل إنسان يأكل بالطريقة التي تريحه.
لكن الإحساس عندي مختلف.
آخذ أقل. أشعر بالطعام. ولا توجد أداة تفصل يدي عما آكله.
والغريب أنني أحياناً أشعر بالشبع أكثر، مع أنني أخذت أقل.
٠٨ · جملة يعرفها كل ضيف
كول، كول.
خُذ أكثر.
قد يكون الضيف قد اكتفى. ومع ذلك سيأتيه صوت يقول له أن يأكل. بالنسبة لي، هذا الإلحاح الخفيف ليس ضغطاً. إنه إحدى لغات الترحيب.
٠٩ · ما الذي تغير
الحداثة ليست
خصماً للمائدة
ليست لدي مشكلة مع المائدة الحديثة.
لكل شخص طبقه. أدوات المائدة مريحة. والكراسي مريحة.
لكن الراحة لا تعطي دائماً الإحساس نفسه.
حين يكون لكل إنسان طبقه ومساحته وإيقاعه، يمكن أن نصبح قريبين في المكان، وبعيدين قليلاً في التجربة.
أما الطبق الواحد فيجبر العين، بهدوء، على أن تتذكر من يجلس بجانبها.
يمكننا أن نعيش زمننا من دون أن نخسر هذا القرب.
١٠ · ما الذي يجعل المائدة كريمة
الضيافة لا تسأل
عن ثمن الطعام
يمكن أن تستقبل إنساناً بخبز وشاي فقط، ويبقى ذلك اللقاء في ذاكرته سنوات.
ليس لأن ما أكل كان نادراً. بل لأن مكاناً فُتح له.
كيف كلموه. كيف قدموا له الطعام. كيف أصروا أن يأخذ المزيد.
لا أتذكر أولاً قيمة الطبق الذي وُضع أمامي.
أتذكر إن كنت شعرت أنني واحد من أهل البيت.
لو استقبلتك في مسكي
المجلس
ليس للزينة. بل لأنه المكان الذي نجلس فيه.
الخبز
بالطريقة القديمة حين يكون ذلك ممكناً.
الشاي
له مكانه قبل الطعام، وليس شيئاً نضعه في النهاية بلا اهتمام.
كول، كول
غالباً ستسمعها أكثر من مرة.
الترحيب
أنت لا تأتي فقط لكي يُقدَّم لك الطعام. أنت تأتي لكي تُستقبل.
المائدة التي أحب أن أشاركها
أكثر من وجبة
لو جاءني غداً شخص إلى مسكي لا يعرف شيئاً عن هذه الطريقة في الأكل، فلن أبدأ معه بوصفة.
سأطلب منه أن يجلس.
يأتي الماء لليدين. ثم الخبز. ويُصب الشاي. ويوضع الطبق في الوسط.
وبعدها لا أحتاج إلى شرح طويل.
أجمل ما يبقى من المائدة ليس ما أكلته. بل ذلك الشعور القصير بأنك لم تكن ضيفاً فقط، بل صرت، لوقت قليل، واحداً من أهل البيت.