المخا أعطت العالم اسماً، لكن الجبال اليمنية صنعت القهوة التي حملت ذلك الاسم عبر القرون.

بعد أن اكتشفت أن الموكا كانت ميناءً يمنياً قبل أن تصبح نكهة، بقي عندي سؤال أكبر: ماذا عن الحبة نفسها؟ هذه المرة لا أريد أن أقف عند البحر. أريد أن أصعد إلى المرتفعات، إلى المدرجات والحجر والماء القليل والأشجار التي عاشت أجيالاً قبل أن تحمل القهوة اسم المخا إلى العالم.
أنا لا أريد أن أبدأ من الميناء هذه المرة
في مقال المخا بدأنا من البحر.
هذه المرة أريد أن أصعد إلى الجبل.
لأن القهوة التي اشتهرت باسم ميناء المخا لم تولد على الرصيف، ولم تبدأ داخل سفينة.
قبل كل ذلك كانت هناك شجرة على مدرج، ومزارع يعرف الماء القليل، وموسم ينتظر النضج، وقرية تعيش مع البن لا حوله فقط.
هنا يبدأ المقال الحقيقي بالنسبة لي.
أصل الأرابيكا أفريقي، لكن اليمن غيّر مسارها
من المهم أن نقول الحقيقة كما هي.
موطن Coffea arabica الطبيعي في إثيوبيا وجنوب السودان، وليس اليمن.
لكن الدراسات الزراعية والجينية تعطي اليمن مكانة مختلفة لا تقل أهمية.
اليمن أصبح مركزاً كبيراً لاستئناس البن وزراعته وانتشاره، ومعظم أصناف الأرابيكا المزروعة خارج إثيوبيا مرّت تاريخياً عبر اليمن قبل أن تنتشر إلى العالم.
الشجرة جاءت من أفريقيا، لكن اليمن أعطاها طريقاً عالمياً.
الجبل اليمني لا يقدم شيئاً مجاناً
حين أنظر إلى صور مدرجات اليمن أفهم لماذا لا أحب كلمة «محصول» وحدها.
هناك عمل هندسي قبل أن يكون هناك كوب.
الحجر يمسك التربة، والمدرج يمسك الماء، والمزارع يحاول أن يصنع من منحدر صعب أرضاً يمكن أن تعيش عليها شجرة.
الفاو يصف البن اليمني بأنه يُزرع في مرتفعات مدرجة وتحت ظروف مناخية مميزة، مع استمرار طرق التجفيف التقليدية.
القهوة هنا تبدأ من إدارة الندرة.
الماء القليل صنع جزءاً من شخصية البن
اليمن من البيئات الحارة والجافة جداً بالنسبة لزراعة الأرابيكا.
وهذا ليس تفصيلاً.
الأشجار التي بقيت عبر أجيال مرت بعملية اختيار طويلة، مقصودة أحياناً وطبيعية أحياناً أخرى.
دراسة جينية حديثة وجدت تنوعاً مهماً داخل البن اليمني، بما في ذلك مجموعة جينية لم تظهر في الأصناف العالمية التي شملها البحث.
فجأة يصبح التراث الزراعي شيئاً يحتاجه المستقبل أيضاً.
مطري، عديني، تفاحي، دوائري، يافعي
الأسماء وحدها جميلة.
الفاو يوثق عدداً كبيراً من الأسماء المحلية للبن اليمني، مثل المطري والعديني والتفاحي والدوائري واليافعي وغيرها.
لكن البحث الجيني يعلّمنا شيئاً مهماً: الاسم الشعبي لا يساوي دائماً سلالة جينية محددة.
المزارع قد يسمي الشجرة بحسب الشكل أو المنطقة أو صفة ظاهرة.
لهذا لا أريد أن أحول هذه الأسماء إلى بطاقات نكهة جاهزة.
اليمن أعقد من ذلك.
بعد القطاف تبدأ مرحلة أخرى من الصبر
القهوة اليمنية معروفة بقوة بطريقة التجفيف الطبيعي.
الثمرة تجف قبل أن تُفصل الحبة عنها.
في بلد جاف، هذه الطريقة مفهومة عملياً وتاريخياً، لكنها أيضاً تؤثر في النتيجة داخل الفنجان.
قد نجد في بعض المحاصيل فاكهة مجففة، كاكاو، تمر، مشمش، كراميل أو توابل، وقد تظهر نغمات أقرب إلى الفاكهة المخمرة أو الطابع الترابي.
لكنني أرفض أن أقول إن كل قهوة يمنية يجب أن تعطي الطعم نفسه.
الأصل ليس وصفة ثابتة.
القهوة السوداء لم تعد عندي كلمة واحدة
كتبت في رحلتي الشخصية مع القهوة أن السفر غيّر علاقتي بالفنجان الأسود.
إثيوبيا جعلتني أبحث عن الرائحة والفاكهة، القهوة العربية جعلتني أحب الهيل والخفة، فيتنام علمتني الانتظار، والسودان أعطاني الزنجبيل الذي يوقظ الفم قبل الرأس.
لهذا حين أصل إلى اليمن لا أريد أن أقرر من التاريخ فقط.
أريد أن أجرب أكثر.
أريد أن أعرف أي قهوة يمنية ستتوافق مع ذوقي فعلاً.
من المدرج إلى المخا
بعد التجفيف يبدأ الطريق.
القهوة تتحرك من القرى والمرتفعات نحو التجار ثم إلى الميناء.
في مقال قبل أن تصبح الموكا نكهة، كانت ميناءً تحدثنا عن المخا كاسم دخل ذاكرة العالم.
الآن أفهمها بشكل أفضل.
الميناء لم يصنع البن، لكنه أعطاه باباً دولياً.
الجبل صنع المادة، والمخا صنعت الاسم العالمي.
ثم خرجت الحبة من اليمن ولم تعد ملك مكان واحد
مع الوقت خرجت البذور والنباتات إلى الهند وآسيا والجزر التي كانت تحت النفوذ الأوروبي.
ومن هذه الحركة ظهرت مسارات ستصبح أساسية في تاريخ Typica وBourbon وأصناف أخرى كثيرة.
الفكرة مدهشة.
نبات من أصل أفريقي يعبر إلى الجزيرة العربية، يعيش قروناً في اليمن، ثم يخرج من اليمن ليشارك في تشكيل القهوة التي يشربها العالم كله.
الحبة نفسها أصبحت مسافرة.

رائحة في هانوي أعادت لي معنى الطريق
مرة في فيتنام لم أكن أبحث عن مكان محدد.
كنت أمشي فقط.
ثم جاءت رائحة القهوة من أحد الأزقة وجعلتني أتوقف.
دخلت واكتشفت حلوى بالقهوة أعجبتني إلى درجة أنني عدت إليها كل يوم تقريباً.
إلى اليوم لا أحتاج صورة للمكان حتى أتذكره.
الرائحة وحدها تعيد المشهد.
القهوة لا تسافر بالسفن فقط. أحياناً تسافر في الذاكرة.
ولهذا أقول: تتبعوا الرائحة في مدن الخليج
اليوم يمكن أن نجد القهوة في عالم مختلف تماماً عن مدرجات اليمن.
في دبي مارينا هناك لاونجات فنادق تقدم القهوة الحرفية. في برج العرب يقدم Sahn Eddar كابتشينو بالذهب مصنوعاً من أرابيكا ومزيّناً بذهب عيار 24 قيراطاً.
في قصر الإمارات بأبوظبي يصف Café Fountain نفسه كمكان يقدم قهوة حرفية وشاي معطر. في فورسيزونز الدوحة تجتمع القهوة العربية والإسبريسو والفرنش برس والكابتشينو والقهوة التركية والموكا في قائمة واحدة. وفي الرياض نجد القهوة السعودية بجانب الإسبريسو والكابتشينو في لاونج فاخر.
أنا لا أقول إن هذه القهوة يمنية ما لم يذكر المصدر ذلك.
أنا أنظر إلى الطريق فقط.
القهوة القديمة وصلت إلى مساحات حديثة جداً.
في جميرا أو شارع الشيخ زايد لا تنظروا إلى الأبراج فقط
إذا كنتم تمشون في جميرا أو دبي مارينا أو شارع الشيخ زايد، أو قرب قصر الإمارات، أو في الدوحة والرياض، جربوا أن تنظروا إلى الفناجين أيضاً.
كيف يشرب الناس القهوة؟
هل هي خفيفة؟ هل فيها هيل؟ هل هي إسبريسو سريع؟ هل هي مشروب بارد؟ هل أصبحت جزءاً من تجربة فندق فاخر؟
كتبت عن شارع الشيخ زايد كطريق شاهد دبي وهي تتغير.
وأشعر أن القهوة أيضاً شاهد صغير على التغير نفسه.
المدينة تتبدل، والفنجان يتعلم لغة جديدة.
الذهب لا يشرح القهوة، لكنه يصنع صورة جميلة
فكرة الكابتشينو بالذهب في برج العرب تضحكني وتعجبني في الوقت نفسه.
ليس لأن الذهب يجعل القهوة أفضل.
بل لأن التناقض قوي.
في الماضي خرجت الحبة من الجبل في كيس، ثم عبرت طرقاً وموانئ.
واليوم يمكن أن تصل الأرابيكا إلى فنجان تحت ثريا ويعلوها الذهب.
الديكور تغير كثيراً.
الفضول تجاه القهوة بقي.
واليمن لا يسمح لي أن أتوقف عند القهوة
كلما ظننت أنني وجدت موضوع اليمن، يظهر موضوع آخر.
بدأت عندي القصة بالعسل.
مع عسل السدر الدوعني والأودية والjujubier والبحث عن الأصل الحقيقي للطعم.
ثم جاءت بلقيس، ثم المخا، ثم البن ومدرجاته.
ثم سقطرى التي تفتح باباً آخر من الطبيعة والعسل النادر والأشجار التي لا تشبه ما نراه كل يوم.
ثم أتذكر المانجو والرمان والزراعة الجبلية.
اليمن لا يعطيني خاتمة بسهولة.
لا أريد أن تجعل الحرب كل الحديث عن اليمن
الصراع موجود، وصعوبته حقيقية.
السفر أصعب، والناس دفعوا أثماناً كبيرة، والبنية الاقتصادية تأثرت.
لكن إذا تحدثنا عن اليمن فقط من خلال الحرب فنحن أيضاً نخسر الحقيقة.
هناك مزارع ما زال يزرع.
هناك عسل يتحرك عبر الجزيرة.
هناك فاكهة تنضج.
هناك قهوة تحمل تاريخاً أطول من أي أزمة حديثة.
الثقافة لا تختفي لأن الأخبار قررت أن تتحدث عن شيء واحد.
ما زلت أحتاج أن أشرب اليمن أكثر
أنا لا أكتب هذا المقال كخبير تذوق يدعي أنه جرّب كل شيء.
بالعكس.
كل ما تعلمته جعلني أريد أن أجرب أكثر.
قهوة من مناطق مختلفة، تحميص مختلف، طرق تحضير مختلفة.
أريد أن أعرف أي فنجان سيبقى في ذاكرتي مثل قهوة هانوي أو قهوة الهيل.
التاريخ أقنعني بأن أبحث.
الطعم ما زال عليه أن يكمل القصة.
المصادر التي حملت هذا المقال
اعتمدت على ملف الفاو عن القهوة اليمنية في المدرجات والتجفيف وعلاقة المخا بتاريخ موكا.
وللأسماء المحلية مثل المطري والعديني والتفاحي والدوائري واليافعي رجعت إلى تقرير الفاو عن الموارد الوراثية النباتية في اليمن.
أما البعد الجيني ودور اليمن كمركز لاستئناس الأرابيكا وانتشارها، فاعتمدت على بحث التنوع الجيني للبن المزروع في اليمن.
ولأمثلة القهوة في الخليج الحديث استخدمت الصفحات الرسمية لـ برج العرب وقصر الإمارات وفورسيزونز الدوحة وفورسيزونز الرياض.
أما ذكرى فيتنام وفضولي تجاه اليمن ورغبتي في تذوق المزيد، فهذه تجربتي أنا، وليست حقيقة علمية أضعها على الجميع.
حبة عبرت القرون ولم تتوقف
في النهاية لا أرى القهوة اليمنية كمنتج فقط.
أراها كطريق.
من أفريقيا إلى اليمن.
من المدرجات إلى المخا.
من الجزيرة العربية إلى العالم.
ومن الميناء القديم إلى مقهى حديث في دبي أو أبوظبي أو الدوحة أو الرياض.
اليمن لم ينته من مفاجأتي.
العسل فتح الباب الأول.
القهوة فتحت باباً آخر.
ولا أظن أن الأبواب انتهت.
أسئلة شائعة
الموطن الطبيعي للأرابيكا في إثيوبيا وجنوب السودان، بينما أصبح اليمن مركزاً مهماً لاستئناسها وزراعتها وانتشارها العالمي.
لأن زراعة الأرابيكا تطورت فيه لقرون، ومعظم الأصناف المزروعة خارج إثيوبيا ترتبط تاريخياً بمسارات مرت عبر اليمن.
تعود إلى المخا، الميناء اليمني التاريخي على البحر الأحمر الذي ارتبط بتجارة القهوة.
هي أسماء محلية لأنواع البن في اليمن، لكنها لا تتطابق دائماً بشكل مباشر مع المجموعات الجينية.
ترتبط بقوة بالتجفيف الطبيعي للثمار قبل فصل الحبة عنها.
تختلف حسب المنطقة والمحصول والتحميص والتحضير، وقد تظهر فاكهة مجففة أو كاكاو أو تمر أو مشمش أو كراميل أو توابل.
المقال لا يدعي ذلك. هذه الأماكن أمثلة على وصول ثقافة القهوة إلى مساحات خليجية حديثة وفاخرة.
لأن المقال جزء من ملف أوسع عن اليمن، حيث تقود القهوة إلى العسل والتاريخ والطبيعة والتنوع الحيوي.
ما زلت أحتاج إلى تذوق أنواع أكثر قبل أن أقرر. التاريخ جذبني، والآن أريد أن أكمل الحكم من الفنجان.
من المخا إلى العسل وسقطرى
كل طريق يمني يفتح طريقاً آخر. ابدأ من المخا، ثم اذهب إلى العسل وبلقيس وسقطرى، وعد إلى القهوة من زاوية السفر والذوق.
