قبل أن تصبح الفخامة اسما على صندوق، كانت الهدية تقول من أنت، وما الذي تملكه أرضك، وكيف ترى الشخص الذي أمامك.

لا أريد أن أكتب قائمة بأغلى الهدايا التي تبادلها الحكام. هذا سهل وممل. ما يهمني أكثر هو معنى الشيء. لماذا حصان؟ لماذا قارب؟ لماذا لؤلؤة؟ لماذا أرض؟ حين نقرأ الأرشيف بهذه الطريقة نكتشف أن الهدية كانت خريطة للقيمة في المجتمع، ثم نكتشف في النهاية أن أغلى ما عندنا اليوم قد لا يراه الناس أصلا.
الهدية قديما لم تكن تقول أنا غالية
كانت تقول شيئا آخر: أنا أكرمك، أعترف بمكانتك، أريد أن يبقى بيننا ود، وأرسل معك شيئا من أرضي أو بحري أو خيلي.
لهذا لا أحب كتابة قائمة أغلى الهدايا. يهمني أكثر أن أعرف لماذا اختير الشيء أصلا.
إذا أردت أن تعرف ما كان الناس يعتبرونه ثروة، انظر أحيانا إلى ما كانوا يهدونه لا إلى ما كانوا يخزنونه.
Meskaoui
الخيل تحمل الحركة والهيبة
في تقرير بريطاني عن الخليج لسنة 1883 و1884 نجد أن الشيخ زايد بن خليفة في أبوظبي قدم ثلاثة خيول إلى سلطان مسقط.
وفي المقابل سجل التقرير أن الشيخ زايد حصل على مبلغ مالي وقطعة قماش كهدية.
الحصان في ذلك الزمن لم يكن قطعة جميلة فقط. كان حركة وتربية وهيبة وعلاقة بالصحراء.
وفي البحرين ودبي تحركت الإبل والقارب والطعام
في أكتوبر 1913 وصل الشيخ بطي بن راشد من دبي إلى البحرين ضيفا عند الشيخ عيسى، وأحضر جملين قدمهما للشيخ حمد.
وعند نهاية الزيارة حصل على قارب قيمته نحو 4500 روبية، إضافة إلى 500 روبية وبعض الأغنام والأرز والسمن.
حتى الخدم حصلوا على هدايا مالية.
كل عنصر يشرح جزءا من الحياة
الجمل ابن اليابسة. القارب ابن البحر. الأغنام ثروة حية. الأرز والسمن يدخلان المطبخ والضيافة. والمال يترك حرية القرار.
التبادل لا يقول فقط كم أملك. يقول أعرف كيف تعيش.
اللؤلؤة السوداء التي أحرجت ضيفة
في ملف بريطاني من 1934 توجد ملاحظة طريفة. أحد المسؤولين اقترح أن يقال لشيخ الشارقة بلطف إنه غير مطالب بتقديم هدية لليدي ويلينغدون.
والسبب أن الشيخ كان قد قدم لها في مناسبة سابقة لؤلؤة سوداء ويبدو أن قيمتها أحرجتها.
هذه الحادثة الصغيرة تكشف كيف يمكن للكرم نفسه أن يصنع حرجا عند الطرف الآخر.
اللؤلؤة اقتصاد كامل في جسم صغير
قبل النفط، اللؤلؤ لم يكن زينة فقط. وراءه غواصون ونواخذة وسفن وتجار وأسواق ومخاطر.
ولهذا يعود البحر دائما في قصصنا عن أبوظبي واللؤلؤ.
حين تهدي لؤلؤة فأنت تهدي شيئا من موسم البحر نفسه.

السيف المكسو بالذهب يحمل لغة أخرى
في رسالة للويس بيلي سنة 1874 يظهر سيف مكسو بالذهب كان سلطان مسقط قد قدمه له.
المتلقي هنا مسؤول بريطاني وليس حاكما عربيا، لكن الهدية تكشف لغة الشرف والصنعة والاعتراف بالمكانة.
ثم تأتي الأرض فتغير المقياس
في 1947 دخلت الأرض نفسها في الهدية بين رأس الخيمة ودبي. ومن إحدى هذه الأراضي خرجت حكاية الـ1600 نخلة بعد استغلال الماء وزراعة البرسيم والنخيل.
الأرض لا تدخل الجيب، لكنها قد تطعم أبناءك بعد سنوات. لذلك هي هدية من نوع آخر تماما.
لا نجعل كل هدية قصة رومانسية
قد تكون الهدية كرما وضيافة. وقد تكون سياسة. وقد تحمل الاثنين معا.
السجلات البريطانية تفسر بعض الهدايا بأهداف سياسية، لكن هذه التفسيرات صدرت من إدارة استعمارية لها مصالحها. نأخذ الوقائع الموثقة بحذر، ولا نحول تفسير الموظف إلى حقيقة مطلقة.
التاجر كان يحمل السلعة والرسالة
التاجر في الخليج القديم يعرف الموانئ والبيوت والأسعار والأخبار. لذلك لم يكن غريبا أن يمر عبره شيء من الهدايا والعلاقات بين الحكام.
التجارة والدبلوماسية كانتا تتحركان في طرق متقاطعة، خصوصا في عالم اللؤلؤ والسفن والأسواق.
الهدية تأتي بعد المجلس
لهذا أربط القصة مباشرة بـ الضيافة العربية.
الضيف يدخل، القهوة تصب، الطعام يقدم، ثم قد تأتي الهدية لتقول إن العلاقة لا تنتهي عند باب المجلس.
قد تكون كبيرة أو صغيرة. المهم أنها تحمل نية الشخص الذي اختارها.
واليوم لن نهدي ثلاثة خيول غالبا
وهذا يسهل علينا مسألة التوصيل ههه.
في مسكي عندنا صندوق سدر بالذهب والفضة والزعفران.
لا أقارنه بثلاثة خيول ولا بستان نخيل ولا لؤلؤة سوداء. لكن الفكرة الإنسانية نفسها موجودة: تختار شيئا جميلا لأن شخصا أمامك مهم.
لا تجعل الهدية تتباهى أمام الشخص الذي تهديه. اجعلها تنحني له وتقول: اخترتك أنت.
Meskaoui
لكن من قال إن الملك فقط يستحق هدية ملكية؟
قد لا تعرف ملكا ولا تجلس مع سلطان. وهذا لا يعني أن حياتك خالية من الملوك والملكات.
أمك قد تكون ملكة في حياتك. زوجتك، ابنتك، أختك. وأبوك أو أخوك أو ابنك قد تكون قيمتهم عندك أكبر من أي لقب رسمي.
الثروة التي لا يراها الناس
العائلة. الصديق الذي يبقى. الشخص الذي يرفع الهاتف عندما تتعب. البيت الذي تستطيع أن تعود إليه.
هذه أشياء لا تظهر في صور الفخامة ولا تحتاج أن تظهر.
بعض الثروات لا يراها أحد غيرك، ومع ذلك تعيش معك كل يوم. فلا تنبهر كثيرا بما يلمع عند الآخرين قبل أن ترى ما يعيش بجانبك.
المصادر وملاحظات الأرشيف
الخيل الثلاثة موثقة في تقرير إدارة الخليج 1883 و1884.
الجملان والقارب والأرز والسمن موثقة في تقارير 1913.
اللؤلؤة السوداء تظهر في ملف ليدي ويلينغدون، والسيف المذهب في رسالة لويس بيلي.
هدايا الأراضي في رأس الخيمة لدبي موثقة في ملف 1947.
الهدية في النهاية ليست الشيء
بعد الخيل والقوارب واللؤلؤ والأرض والذهب، أعود إلى الفكرة البسيطة. الهدية ليست الشيء وحده. هي نظرتك إلى من أمامك.
يمكن أن يكون الشيء صغيرا ويصل إلى القلب، ويمكن أن يكون غاليا ولا يقول شيئا.
لهذا لا أريد أن أنهي المقال عند الحكام. أريد أن أنهيه عند الناس الذين يعيشون معنا. هم الثروة التي لا تحتاج مناسبة ملكية كي نراها.
أسئلة شائعة
الخيل والإبل والقوارب والقماش والمال والأغنام والأرز والسمن واللؤلؤ والسيوف والأراضي.
نعم. تقرير 1883 و1884 يسجل ثلاثة خيول ومالا وقماشا في المقابل.
نعم. تقرير 1913 يسجل جملين قدما في البحرين ثم قاربا ومالا وأغناما وأرزا وسمنا في المقابل.
نعم. ملف بريطاني من 1934 يذكر الهدية في مناسبة سابقة.
لا يمكن الجزم. قد تجمع الهدية الكرم والدبلوماسية والمصلحة.
لأنهم كانوا ينقلون السلع والمعلومات والعلاقات بين الموانئ والحكام.
تكشف ما كان يعتبره الناس ذا قيمة: الحركة والبحر والغذاء والأرض والحرفة والمكانة.
ليس في القيمة التاريخية. التشابه فقط في فكرة اختيار شيء جميل بعناية لشخص مهم.
أن العائلة والأصدقاء والناس الذين يبقون معنا قد يكونون ثروة أكبر من الأشياء المرئية.
من هدايا الحكام إلى هدايانا نحن
ابدأ بقصة الأرض التي صارت 1600 نخلة، ثم عد إلى الضيافة والنخلة وفكرة الهدية التي تحمل معنى.
