— سلسلة التراث · Meski · الشارقة · دبي —
ملكة سبأ —
من أين جاء اسم بلقيس؟
القرآن الكريم وصفها بأجمل الأوصاف ولم يُسمّها. فمن أعطى هذه الملكة اسمها الذي يتردد منذ آلاف السنين؟ وما علاقة مملكتها باليمن وبعسل السدر الذي يتنافس عليه العالم حتى اليوم؟
قبل ثلاثة آلاف عام، في جبال ما نسميه اليوم اليمن، كانت ملكة تجلس على عرش وصفه القرآن الكريم بأنه عظيم. مملكتها — سبأ — كانت تتحكم في أغلى طرق التجارة في العالم القديم. الذهب مرّ بأراضيها. البخور. المر. التوابل التي غيّرت مسار الحضارات. والعسل — ذلك العسل الداكن الثقيل النادر الذي تُنتجه أشجار تزهر لأسابيع قليلة في السنة ثم تُغلق — العسل الذي ينمو في تلك الجبال بعينها حتى اليوم. ذكرها القرآن الكريم. وذكرتها التوراة. لكن أحداً لم يكتب اسمها في الكتاب الأقدم الذي ذكرها. فمن أعطاها اسمها؟
ما قاله القرآن الكريم
في سورة النمل — السورة السابعة والعشرون من القرآن الكريم — تأتي قصة ملكة سبأ في ستة وعشرين آية (من الآية العشرين إلى الخامسة والأربعين)، وهي من أطول القصص القرآنية تفصيلاً لشخصية امرأة لم تكن نبيّة.
يبدأ الأمر بالهدهد الذي غاب عن النبي سليمان عليه السلام، ثم عاد يحمل خبراً من أرض لم يكن سليمان يعلم بها. فقال كما حكى القرآن الكريم:
“إني وجدتُ امرأةً تملكهم وأُوتيت من كل شيء ولها عرشٌ عظيم.” هذا ما قاله القرآن الكريم عنها — وصفها بدقة مذهلة: ملكة، تمتلك كل شيء، تجلس على عرش عظيم. كل ذلك في آيات القرآن الكريم التي نقرأها كما أُنزلت، دون تفسير منّا أو تعليق.
ما لم تذكره هذه الآيات — ولا أي آية في القرآن الكريم — هو اسمها.
القرآن الكريم وصف ملكة سبأ بأنها أُوتيت من كل شيء، وأن لها عرشاً عظيماً. ولم يُسمّها. فمن أعطاها اسم بلقيس؟
العلماء الذين أعطوها اسمها
الاسم الذي نعرفه — بلقيس (في العربية الفصحى) أو بلقيس (كما ينطقها أهل الخليج) — لا يأتي من القرآن الكريم. يأتي من علماء التفسير والمحدّثين الذين نقلوا روايات تاريخية وأسانيد متعددة.
الحسن البصري — أحد أعظم علماء الإسلام في القرن الأول الهجري — هو أول من وصل إلينا تصريحه بالاسم في شرحه للآية الثالثة والعشرين من سورة النمل: “وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ.”
ابن كثير — الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي — نقل الاسم في تفسيره للآية نفسها، ووثّق روايات متعددة عن نسبها وأصلها.
وقد ورد الاسم أيضاً في روايات أخرى، لكن الإمام الهيثمي في “مجمع الزوائد” أشار إلى أن سند بعضها يحتوي على رجال مجهولين، مما يجعلها في عداد الروايات الضعيفة. هذا ما قاله العلماء أنفسهم — ونقله بأمانة، كما هو.
بلقيس أم بلقيس — لماذا الاختلاف؟
من تربّى على العربية الفصحى قال “بلقيس” بكسر الباء. ومن نشأ في الخليج ومصر والشام قال “بلقيس” بفتح الباء. الاختلاف ليس خطأً — بل هو انعكاس لتحولات نطقية عبر قرون طويلة.
أصل الاسم محلّ خلاف بين اللغويين. بعضهم يردّه إلى جذور يمنية جنوبية عربية قديمة بمعنى “السيدة الحاكمة”. وذكر ابن دريد اللغوي الكبير أن الاسم ليس له اشتقاق واضح في العربية الفصحى، مما يُرجّح أنه جاء من لغة أقدم — وهو ما يتسق مع انتمائها إلى حضارة سبئية قامت قبل تشكّل العربية كما نعرفها.
مملكة سبأ — الأرض التي أنتجت ما لا يُقدَّر بثمن
مملكة سبأ كانت مركزها مدينة مأرب في اليمن. حضارة بنت سداً يُعدّ من أعظم إنجازات الهندسة في التاريخ القديم. المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر وصف الأرض فسمّاها “Arabia Felix” — “الجزيرة العربية السعيدة” — لأنها كانت خضراء في وسط صحراء.
هذه الأرض كانت تتحكم في تجارة البخور والمر. والقوافل التي نقلت هذه البضائع عبرت جبالاً تنمو فيها شجرة السدر — Ziziphus spina-christi — التي تُزهر لأسابيع قليلة في السنة فقط، وتُعطي النحل ما يصنع منه عسلاً لا يشبهه شيء آخر على الأرض.
ثلاثة آلاف سنة مرّت. لكن الشجرة لا تزال هناك. وفي جبال حتا — على بُعد مئة وخمسة كيلومترات من دبي، على الحدود بين الإمارات وعُمان — تنمو شجرة السدر نفسها وتُنتج عسلاً إماراتياً حاز تقديراً دولياً في London Honey Awards عام ٢٠٢٢.
٣٠٠٠
عام منذ كانت مملكة سبأ تتحكم في أغلى طرق التجارة القديمة — في الجبال ذاتها التي ينمو فيها عسل السدر حتى اليوم
أسئلة حول ملكة سبأ وبلقيس
لا. القرآن الكريم لم يذكر اسم ملكة سبأ في أي آية من آياته. وصفها في سورة النمل بأنها امرأة تملك قومها، أُوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. الاسم “بلقيس” جاء من علماء التفسير كالحسن البصري وابن كثير، وليس من النص القرآني مباشرة. هذه حقيقة يُقرّها علماء المسلمين أنفسهم ولا خلاف فيها.
الحسن البصري — العالم الإسلامي الكبير من القرن الأول الهجري — هو من وصل إلينا تصريحه بأنها “بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ” في تفسيره للآية الثالثة والعشرين من سورة النمل. ونقل الاسم أيضاً الإمام ابن كثير في تفسيره.
اللغويون منقسمون. بعضهم يربطه بجذور يمنية جنوبية عربية قديمة بمعنى “السيدة الحاكمة” أو “صاحبة السلطان”. وذكر ابن دريد اللغوي الكبير أن الاسم ليس له اشتقاق واضح في العربية الفصحى، مما يُرجّح أنه جاء من لغة أقدم.
“بلقيس” بكسر الباء هو النطق الفصيح الموافق لقواعد اللغة العربية. “بلقيس” بفتح الباء هو النطق الدارج في الخليج ومصر والشام. الاختلاف ليس خطأً بل هو ظاهرة لغوية طبيعية عبر القرون.
تُجمع الأبحاث الأثرية الحديثة على أن عاصمة مملكة سبأ كانت مدينة مأرب في اليمن. وقد أثبتت الحفريات وجود حضارة راسخة في هذه المنطقة يمتد تاريخها إلى ما قبل الألف الأول قبل الميلاد. سد مأرب الشهير — أحد عجائب الهندسة في العالم القديم — لا يزال أثره موجوداً حتى اليوم في اليمن.
مملكة سبأ كانت تقوم في الجبال ذاتها التي ينمو فيها عسل السدر حتى اليوم. قوافل سبأ التي حملت البخور والذهب والتوابل عبرت الوديان ذاتها التي تُزهر فيها أشجار السدر لأسابيع قليلة كل عام. والعسل المُنتج في هذه المناطق يُعدّ الأغلى والأندر في العالم. والشجرة ذاتها تنمو في جبال حتا على حدود الإمارات وعُمان، حيث ننتج عسلنا الإماراتي من المصدر.
أعمق مما يظن كثيرون. يُروى أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان — مؤسس الإمارات — ينتمي بأصوله إلى قبائل هاجرت من منطقة مأرب إلى ما أصبح اليوم الإمارات. وقد موّل الشيخ زايد شخصياً إعادة بناء سد مأرب عام ١٩٨٤. وتنمو شجرة السدر في جبال حتا على حدود الإمارات — الأرض ذاتها، الشجرة ذاتها، الخط التاريخي ذاته يمتد بلا انقطاع.
العسل ذاته. الجبال ذاتها.
أشجار السدر في جبال حتا — على بُعد مئة وخمسة كيلومترات من دبي — تُنتج عسلاً حاز تقديراً دولياً في London Honey Awards عام ٢٠٢٢. النوع ذاته. التضاريس ذاتها. ثلاثة آلاف سنة من التاريخ في جرة تملؤها كفّك.
تصفح التشكيلة