قبل العشاء
كنا مجتمعين في الصالون
قبل أن تحضر المائدة
أذكر الانتظار كما أذكر الطعام نفسه. الجلسة كانت قائمة: شاي، حديث، ناس متقابلون على الزرابي والوسائد، وضحكات صغيرة تتوزع في المكان.
ثم تقع تلك الإشارة التي تقول إن العشاء اقترب. ليس بوصول الطبق، بل بما يسبقه: تجهيز اليدين.
يُنادَى على من يقوم بالخدمة، ويُحضَّر البقراج مع الإناء الذي يستقبل الماء. ماء فاتر، لا هو بارد يزعجك، ولا حار يلسعك. ماء مدروس بعناية.
حتى الماء نفسه كان فيه ذوق.
أولًا: اليد
الوجبة تبدأ
قبل أن تصل إلى المائدة
المنشفة على الكتف، والبقراج في اليد، ثم المرور على الجميع واحدًا واحدًا. تُغسل الأيدي فوق الإناء، وتُجفف، ثم ينتقل الدور إلى الشخص التالي.
حين أتذكر المشهد اليوم، أفهم لماذا أقول إن الأكل بالأصابع فن. لأن الفن هنا ليس في اللقمة فقط، بل في كل ما هيّأها: راحة الضيف، حرارة الماء، نظافة اليد، والانتباه إلى التفاصيل الصغيرة.
اليد أيضًا كانت ضيفة على المائدة.
ثم يصل الطعام
مزّق الخبز.
واغمس به.
عندما يوضع الطاجين أو الطبق في الوسط، لا يحتاج أحد إلى شرح. اليد تعرف طريقها، والخبز يصبح امتدادًا لها.
قطعة خبز صغيرة بين الأصابع، تغمس في المرق، تحمل ما يكفي من الصلصة أو الخضار أو اللحم، ثم ترتفع في توازن طبيعي إلى الفم.
في هذه اللحظة أنت لا تتذوق فقط. أنت تشعر بحجم اللقمة وحرارتها وقوامها قبل أن تذوقها أصلًا.
مزّق.
اغمس.
التقط.
تذوّق.
الشوكة تنقل الطعام إلى الفم.
أما الأصابع فتلقاه قبل ذلك.
أما الكسكس… فحكاية أخرى
حبّات صغيرة
لكنها تحتاج مهارة
الطاجين مفهوم. الخبز يساعد. لكن الكسكس كان بالنسبة لي وأنا صغير امتحانًا حقيقيًا.
كنت أرى الكبار كأنهم يعرفون سرًا لا أعرفه. يجمعون الحبات بأصابعهم بكل بساطة، ويصنعون منها لقمة مرتبة كأن الأمر أسهل شيء في الدنيا.
أما أنا فكنت أحاول، والكسكس له رأي آخر.
وإذا كانت أمي موجودة، انتهى الإشكال. يدها تعرف كيف تجمع الكسكس، وكيف تصنع منه كرة صغيرة وتعطينا إياها لنأكلها.
كانت يدها تعرف ما لم تكن يدي قد تعلّمته بعد.
لا أحد شرح لنا درسًا
كنت ترى.
ثم تحاول. ثم تتعلم.
لا أتذكر أن أحدًا جلس معنا ليعطينا محاضرة بعنوان: كيف تأكل بالأصابع. هذه الأشياء كانت تُنقل بالمشاهدة، لا بالكلام.
ننظر إلى الكبار: كيف يمزقون الخبز، كيف يأخذون من جهتهم، كيف يقدّرون اللقمة، وكيف يجمعون الكسكس في كفّهم.
ثم نقلّدهم على طريقتنا. مرة ينجح الأمر، ومرة لا. وفي كثير من الأحيان كانت يد الأم تختصر علينا الطريق كله.
بدائي؟ غير نظيف؟
أنا عشتُه بشكل مختلف تمامًا
أعرف أن بعض الناس قد ينظرون إلى الأكل بالأصابع ويظنون أنه شيء غير نظيف أو شيء "بدائي". لكن تجربتي معه تقول العكس تمامًا.
أنا أذكر البقراج. أذكر الماء الذي سُخِّن خصيصًا ليكون غسل اليدين مريحًا. أذكر الإناء والمنشفة، والشخص الذي يدور على الجميع قبل تقديم الطعام.
اليد لا تصل إلى الطعام عندنا إلا بعد أن تكون قد غُسلت واعتُني بها.
حاسة إضافية على المائدة
أنت لا تأكل
بالفم وحده
لديّ شعور دائم وأنا آكل بالأصابع: آكل أقل، لكن أشبع أكثر. لا أعرف إن كانت هذه قاعدة عامة، لكن هذا ما أشعر به.
ربما لأنني أكون أكثر حضورًا مع اللقمة. وربما لأن جسدي كله يدخل في التجربة.
العين ترى.
والأصابع تلمس.
والأنف يلتقط رائحة التوابل.
ثم يأتي الذوق.
وبعد ذلك؟
تأتي البهجة.
ولهذا أسميه فنًا
لأن شيئًا فيه
لم يكن عشوائيًا
كلما تذكرت تلك الوجبات، صرت أقل اقتناعًا بأن الأكل بالأصابع مجرد بديل عن الملاعق والشوك.
هناك إعداد يسبقه، وذوق يحكمه، ونظافة تحميه، ومهارة تنقله من جيل إلى جيل. حتى الكسكس الذي كان يعاندني يومًا ما، استسلم لاحقًا.
لهذا أسميه فنًا: لا لأنه متكلف، بل لأنه طبيعي إلى درجة أن تفاصيله الدقيقة تبدو وكأنها ولدت مع الناس الذين عاشوه.
العين رأت.
واليد لمست.
والأنف شمّ.
والفم تذوّق.
وما بقي… فهو الفرح.
فنّ الأكل بالأصابع
بعض الأطعمة لا يكفي أن تُتذوّق فقط.
بل تحتاج أولًا أن تُلامسها اليد.