نساء لم يستطع التاريخ إسكاتهن: من سبأ وجبلة إلى مكة والقاهرة وعُمان

تاريخ · نساء · الجزيرة العربية والمشرق
نساء لم يستطع التاريخ إسكاتهن: من سبأ وجبلة إلى مكة والقاهرة وعُمان

ليست قائمة ملكات، بل رحلة عربية في الذاكرة والمكان: من ملكة سبأ إلى أروى وزبيدة وشجر الدر وسلمى بنت سعيد.

رحلة تاريخية عربية من سبأ وجبلة في اليمن إلى طرق الحج وعُمان وزنجبار

حين تحفظ الذاكرة اسماً وتنسى الطريق إليه

في كتب التاريخ أسماء تمر سريعاً، وأسماء تبقى كأنها خرجت من الورق وصارت جزءاً من الذاكرة. لكن الاسم وحده لا يكفي. ما معنى أن نعرف بلقيس ولا نعرف مأرب؟ أن نذكر أروى ولا نرى جبلة؟ أن نردد اسم زبيدة ولا نتخيل حاجاً يبحث عن الماء بين العراق ومكة؟ لهذا لا أريد أن أكتب عن نساء وُضعن في صف واحد لأنهن نساء. أريد أن أمشي وراء الأسماء حتى أصل إلى البلاد التي صنعتها وصنعتها.

هذه رحلة في اليمن والعراق والحجاز ومصر وعُمان وزنجبار. ليست مسابقة في القوة، ولا محاولة لإلباس الماضي لغة الحاضر. بعض النساء حكمن، وبعضهن تركن أثراً في الطريق، وبعضهن كتبن عن عالم كامل من الداخل. وبين التاريخ والرواية والموروث سنترك لكل طبقة اسمها.

بلقيس قبل أن تصبح صورة

حين يقال اسم بلقيس، تسبق الصورة أحياناً المعرفة: عرش، هدهد، سليمان، سبأ، ذهب، قصر. لكن القرآن الكريم حين قص خبر ملكة سبأ لم يسمها بلقيس. الاسم جاء في الموروث والتفاسير والأخبار اللاحقة. وهذه أول وقفة مهمة في رحلتنا: أن نحترم القصة بما يكفي كي لا نخلط النص بما أضافته القرون.

في سورة النمل تظهر امرأة تملك قوماً، يصلها كتاب، فتجمع الملأ وتطلب رأيهم قبل أن تقطع أمراً. هذه اللحظة وحدها تستحق التأمل. ليست الحكمة في أن تتكلم وحدك، بل ربما في أن تعرف متى تسمع ثم تقرر.

سبأ ليست أسطورة

إذا كانت شخصية ملكة سبأ التاريخية لا تزال موضع نقاش أثري، فإن مملكة سبأ نفسها ليست خيالاً. جنوب الجزيرة العربية عرف ممالك ومدناً ونقوشاً وأنظمة ماء وتجارة بعيدة المدى. مأرب ليست مجرد خلفية لقصة مشهورة، بل باب إلى تاريخ يمني أقدم بكثير من الصور الحديثة التي اختزلت اليمن في الحرب.

هنا تبدأ مشكلة الذاكرة السريعة. نحب الشخصية فننسى الحضارة. نبحث عن العرش ونمر بجانب الأرض التي جعلت وجود مملكة غنية ممكناً.

اليمن الذي كان ينظر إلى العالم

تجارة البخور واللبان والمر، الزراعة، طرق القوافل، البحر الأحمر، القرن الأفريقي، موانئ الجنوب، كلها تذكرنا بأن اليمن القديم لم يكن هامشاً بعيداً. كان جزءاً من شبكة تتحرك فيها السلع والأفكار والناس.

حين نقرأ عن هدية أرسلتها ملكة، لا ينبغي أن نرى الذهب فقط. ينبغي أن نسأل من أين جاءت الثروة، وكيف كانت الطرق، ومن كان يحمل البضائع، وأين كانت القوافل تتوقف. التاريخ الحقيقي يبدأ غالباً بعد انتهاء المشهد الشهير.

الحكمة ليست زينة في القصة

أكثر ما يعجبني في خبر ملكة سبأ ليس وصف الثراء. الثروة يمكن أن تبهر العين ثم تنتهي. ما يبقى هو طريقة التعامل مع خبر يهدد ميزان المملكة. سؤالها للملأ يضع القرار داخل مسؤولية سياسية لا داخل استعراض شخصي.

لا أحتاج أن أحولها إلى شعار حديث كي أراها. يكفيني أن أقرأ القصة ببطء، وأن أفرق بين النص القرآني، وما رواه المفسرون، وما نسجه الأدب الشعبي بعد ذلك.

من مأرب إلى طريق الحجاج

نترك جنوب الجزيرة ونقفز قروناً إلى زمن آخر. الدولة العباسية، بغداد، الكوفة، والحجاج المتجهون إلى مكة. هنا لا تدخل امرأة قصتنا من باب العرش، بل من باب الماء.

اسم زبيدة بنت جعفر التصق بطريق طويل حتى صار الناس يقولون درب زبيدة. والاسم في هذه المرة يقودنا إلى فكرة أحبها: المال حين يتحول من شيء يُرى إلى شيء يخدم من لا تعرفهم.

زبيدة بنت جعفر والماء الذي بقي

كانت زبيدة من بيت الخلافة العباسية وزوجة هارون الرشيد، لكن قيمتها في هذه الرحلة ليست لأنها عاشت قرب الخليفة. الذاكرة ربطتها بأعمال لخدمة الحجاج، وبالمنشآت المائية ومحطات الطريق بين العراق ومكة.

الدرب لم يصنعه شخص واحد، ولم تبدأ كل منشآته معها. شارك خلفاء وولاة ومهندسون وعمال ومحسنون عبر أزمنة مختلفة. لكن قوة ارتباط اسمها به تقول إن رعايتها تركت أثراً تجاوز مجلسها وحياتها.

حين يكون بئر أهم من قصر

القصر يخبرك عن صاحبه. البئر يخبرك عن الناس. في الصحراء لا يسأل العطش عن مكانتك. حاج غني وحاج فقير يحتاجان الماء نفسه. لهذا تبدو لي منشآت الطريق شكلاً مختلفاً من أشكال السلطة: سلطة تجعل الحركة ممكنة.

نحن نميل إلى تصوير التاريخ من فوق، من العروش والقصور. لو صورناه من مستوى أقدام المسافرين، ربما أصبحت الآبار والبرك والاستراحات أبطالاً أيضاً.

الطريق له آلاف الأسماء التي لم تصلنا

حين نقول درب زبيدة، يجب ألا ننسى العمال الذين حملوا الحجارة، ومن عرف مواضع الماء، ومن أصلح ما تهدم، ومن خدم القوافل. اسم مشهور يمكن أن يحفظ مشروعاً كاملاً، لكنه لا يجب أن يمحو الأيدي المجهولة.

وهذه أيضاً طريقة لفهم النساء في التاريخ: لا نصلح نسياناً بنسيان آخر.

مسكاوي

«الثروة الثقافية لن تترك مكانها أبداً لثروة المال. المال قد يبني قصراً، أما الثقافة فهي التي تجعل الناس يسألون بعد ألف سنة: من عاش هنا، ولماذا نتذكره؟»

— مسكاوي

إلى جبلة، حيث الجبل يحفظ اسماً

أعود إلى اليمن، لكن اليمن هذه المرة ليس سبأ. نحن في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، في عالم الدولة الصليحية، وفي مدينة جبلة. هنا يصبح اسم أروى بنت أحمد الصليحي جزءاً من المكان نفسه.

جبلة ليست مأرب، واليمن الوسيط ليس اليمن القديم. وهذا بالضبط ما أريده من المقال: ألا نضع كلمة اليمن فوق ثلاثة آلاف سنة ثم نتعامل معها كأنها حكاية واحدة.

أروى الصليحية ليست هامشاً في حكم رجل

دخلت أروى عالم الحكم من داخل الأسرة الصليحية، لكنها لم تبق مجرد زوجة حاكم. مارست سلطة سياسية طويلة، وأصبحت جبلة مركزاً مرتبطاً بحكمها. المصادر التي تتناول العصر تجعلها شخصية لا يمكن حذفها ثم فهم الدولة كما كانت.

حين نقرأ عن امرأة حكمت عقوداً، لا يكفي أن نقول إنها كانت قوية. السؤال الأجمل: كيف استمر الحكم؟ من كانوا حلفاءها؟ ما موقع الدين والدعوة والسياسة؟ ولماذا كانت جبلة مناسبة؟

جبلة ليست خلفية

الجبال حول المدينة، المدرجات، العمارة الحجرية، القرب من طرق الداخل، كلها تجعل المكان جزءاً من القصة. التاريخ السياسي لا يعيش في الهواء. الجغرافيا تساعد السلطة أحياناً وتحاصرها أحياناً.

أحب أن أتخيل القارئ الذي يعرف اليمن من صورة صحراء واحدة ثم يصل إلى جبلة. ربما يكتشف قبل أن يكتشف أروى أن الجزيرة العربية نفسها أكثر تنوعاً مما قيل له.

جامع يحمل الذاكرة

يرتبط اسم أروى بجامعها في جبلة وبتراث معماري ما زال شاهداً على عصرها. المبنى هنا ليس دليلاً على كل رواية شعبية قيلت عنها، لكنه يجعل الذاكرة محسوسة. الحجر يقاوم اختصار التاريخ.

قد ينسى كتاب مدرسي اسماً، لكن مدينة كاملة تستطيع أن تردده كل يوم من غير أن تفتح كتاباً.

بين الحكم والدين

الدولة الصليحية كانت مرتبطة بالعالم الفاطمي والإسماعيلي، ودور أروى لم يكن سياسياً فقط في الذاكرة الإسماعيلية. لهذا يجب أن نتجنب تقديم اليمن الوسيط ككتلة دينية بسيطة. كانت هناك مذاهب وقوى وتحالفات ومنافسات.

حين نفهم التعقيد، تصبح أروى أكثر إثارة، لا أقل. المرأة التي حكمت لم تكن تعيش في فراغ، بل داخل شبكة عقائد وسياسة ومصالح.

بلقيس وأروى: امرأتان ويمنان

قد يغري العنوان بأن نجمعهما تحت كلمة ملكة. لكن الفرق بينهما أهم من التشابه. بلقيس اسم تراثي لملكة سبأ التي يذكر القرآن قصتها دون أن يسميها. أروى شخصية تاريخية من اليمن الإسلامي الوسيط نعرف عنها من مصادر مختلفة.

واحدة تفتح سؤال العلاقة بين النص والموروث والآثار. والثانية تفتح سؤال الحكم والدولة والمدينة. هكذا يصبح اليمن نفسه بطلاً لا خلفية.

إلى القاهرة في زمن لا ينتظر أحداً

من جبلة نذهب إلى مصر في القرن الثالث عشر. الحملات الصليبية، نهاية مرحلة أيوبية، صعود المماليك، موت سلطان وأزمة خلافة. في مثل هذه اللحظات لا ينتظر التاريخ من أحد أن يكون مستعداً.

شجر الدر تدخل الحكاية من مكان لم يكن النظام السياسي قد صممه لها.

شجر الدر بين الستار والعرش

كانت شجر الدر زوجة السلطان الصالح أيوب بعد أن عرفت حياة الرق قبل ذلك. عند وفاة السلطان أثناء الأزمة العسكرية، كان إخفاء الخبر مؤقتاً وإدارة الانتقال مسألة دولة. ثم، بعد مقتل توران شاه، وصلت شجر الدر إلى السلطنة سنة 1250.

حكمها المنفرد كان قصيراً ومثار اعتراض، لكن القصر السياسي الذي مرّت منه كان باباً إلى تحول كبير في مصر.

لماذا يهم الحكم القصير؟

نحب الأرقام الطويلة: خمسون سنة حكم تبدو أهم من أسابيع أو أشهر. لكن بعض اللحظات القصيرة تقع على مفصل تاريخي. شجر الدر وقفت في لحظة انتقال بين النظام الأيوبي وصعود المماليك.

المدة وحدها لا تقيس أثر اللحظة.

القاهرة التي تعيد كتابة نفسها

القاهرة في ذلك العصر لم تكن مدينة ثابتة. مؤسسات دينية، عمارة، أضرحة، سلطة عسكرية، تحالفات جديدة. وشجر الدر نفسها ارتبطت برعاية عمارة جنائزية للصالح أيوب.

العمارة ليست مجرد جمال. أحياناً هي بيان سياسي لا يحتاج إلى حبر.

لا نحتاج بطلات بلا أخطاء

أرفض أن نحول كل امرأة تاريخية إلى قديسة معاصرة. السلطة في العصور القديمة والوسيطة كانت قاسية، والقصور مليئة بالصراع، والمجتمعات غير متساوية. الاعتراف بدور امرأة لا يعني تبرئة عصرها ولا تبرئتها من كل شيء.

إذا أحببنا الثقافة فعلاً، فلن نحتاج إلى تجميلها كي نحترمها.

البحر يأخذنا إلى عُمان وزنجبار

نقفز إلى القرن التاسع عشر، حيث لا تكفي خريطة الجزيرة العربية وحدها لفهم عُمان. البحر كان طريقاً، وزنجبار كانت جزءاً من عالم سياسي وتجاري ارتبط بسعيد بن سلطان.

هنا تدخل سلمى بنت سعيد، ثم يظهر اسم آخر في حياتها الأوروبية: إميلي رويته.

سلمى بنت سعيد: حين تكتب المرأة عالمها بنفسها

ولدت سلمى في زنجبار سنة 1844، ابنة سعيد بن سلطان. عرفت حياة القصر، ثم غادرت وتزوجت تاجراً ألمانياً وعاشت في أوروبا. ما يجعلها مختلفة في رحلتنا أن صوتها وصل إلينا في كتاب مذكرات.

فجأة لا نقرأ فقط ما كتبه مؤرخ عن امرأة. نقرأ امرأة تحاول أن تشرح طفولتها وعائلتها وعاداتها وبيئتها لقارئ أوروبي.

الكتابة من المنفى

الذاكرة تتغير عندما نكتب بعيداً عن المكان. رائحة الطعام، أصوات البيت، العلاقات بين أفراد الأسرة، التعليم، المناسبات، كلها تصبح أوضح أحياناً لأن المسافة جعلتها مفقودة.

لكن المذكرات ليست كاميرا. هي اختيار وذاكرة ودفاع عن الذات أيضاً. لذلك نقرأ سلمى بحب وبنقد في الوقت نفسه.

حين يصف الشرق نفسه

كانت أوروبا قد أنتجت صوراً كثيرة عن المرأة العربية والشرقية. في كتاب سلمى نجد محاولة للرد على بعض هذه الصور. وهذا التحول مهم بالنسبة لي: المرأة التي كانت موضوعاً في خيال الآخرين تمسك القلم وتصف عالمها بنفسها.

قد نختلف معها في أحكام، لكن حقها في أن تكون صاحبة رواية لا مجرد موضوع للرواية هو ما يبقى.

عُمان التي تنظر إلى المحيط

قصة سلمى تعيد رسم عُمان. ليست فقط مسقط والجبال والداخل، بل سفن ورياح موسمية وصلات بشرق أفريقيا والهند. تاريخ عُمان البحري يخرج من الخريطة حين نتابع عائلة واحدة بين مسقط وزنجبار وأوروبا.

لكن علينا أيضاً ألا نجعل زنجبار مجرد فصل عُماني. لشرق أفريقيا تاريخه وشعوبه ولغاته، والعلاقة حملت التجارة والتبادل كما حملت السيطرة والعبودية.

الصفحة الصعبة: العبودية

لا أريد أن أكتب عن القصور والقرنفل والبحر ثم أتجاوز العبودية لأنها تفسد الصورة الجميلة. اقتصاد زنجبار في ذلك الزمن ارتبط بالعبودية، ومذكرات سلمى نفسها تحمل مواقف يجب أن يقرأها القارئ نقدياً.

الثقافة التي لا تتحمل الحقيقة تصبح ديكوراً.

من امرأة كتب عنها الآخرون إلى امرأة كتبت نفسها

لهذا أحب نهاية الجزء الأول. بدأنا بملكة سبأ التي وصلتنا عبر النصوص الدينية والموروث والتفاسير، وننتهي بسلمى التي تركت كتاباً باسمها عن عالمها.

بينهما تغير شكل الذاكرة: نقش، قصة، طريق، مسجد، قصر، ضريح، ثم كتاب.

مسكاوي

«نساء العالم العربي لم يكنّ غائبات عن التاريخ. أحياناً لم ينسهن التاريخ، نحن فقط توقفنا عن تعلّم أسمائهن. تعلّم الثقافة قبل أن تكرر ما قيل لك عنها.»

— مسكاوي

ليست خمس نساء متشابهات

بلقيس ليست زبيدة. زبيدة ليست أروى. أروى ليست شجر الدر. وسلمى لا تحتاج إلى عرش كي تكون مهمة. جمعهن لا يعني اختراع هوية واحدة لهن.

الجميل أن كل واحدة تفتح باباً مختلفاً: الحكمة في الموروث، خدمة الطريق، الحكم، أزمة الدولة، والكتابة.

الخريطة هي الحكاية الأخرى

مأرب، بغداد، الكوفة، مكة، جبلة، القاهرة، مسقط، زنجبار، ألمانيا. هذه ليست نقاطاً منفصلة. بينها قوافل وحج وبحر وهجرة وسياسة.

حين تتحرك الأسماء على الخريطة، نفهم أن العالم العربي لم يكن يوماً غرفة مغلقة.

مأرب والماء قبل الملوك

قبل أن نسأل من جلس على العرش، يجب أن نسأل كيف عاشت المدينة. في جنوب الجزيرة كان الماء مشروع حضارة. السدود والقنوات والزراعة لا تظهر عادة في القصص المختصرة، لكنها هي التي تسمح للسكان بالاستقرار وبناء السلطة وتكوين الفائض الذي يتحول إلى تجارة وجيش ومعابد.

ربما لهذا أحب أن أبدأ التاريخ من الأشياء التي تبدو صامتة. الماء لا يكتب مذكراته، لكنه يشرح لنا لماذا قامت مدينة في مكان ولم تقم في آخر.

الهدهد بين النص والخيال الشعبي

الهدهد في قصة سليمان وملكة سبأ صار واحداً من أشهر الطيور في الذاكرة الإسلامية. ثم جاء الأدب الشعبي وأضاف حول القصة تفاصيل كثيرة، بعضها جميل وبعضها غريب وبعضها لا أصل له في النص.

لا أريد أن أطرد الخيال من الثقافة. الحكايات الشعبية جزء من الثقافة نفسها. لكن من الإنصاف أن نقول للقارئ: هنا القرآن، وهنا التفسير، وهنا ما صنعه الخيال بعد ذلك.

جبلة في اليمن وطريق الحج القديم في رحلة عن النساء في التاريخ العربي

الهدايا في قصة ملكة سبأ

تظهر الهدية في القصة كأداة سياسية قبل أن تكون تعبيراً عن المودة. وهذا يذكرنا بأن معنى الهدية يتغير حسب السياق. هدية بين أهل البيت ليست هدية بين ملكين، وهدية دبلوماسية ليست هدية رمضان.

الأشياء قد تكون واحدة، لكن النية والعلاقة هما اللتان تعطيانها معناها.

من بغداد إلى مكة: المسافة التي لا نراها

اليوم ننظر إلى الخريطة ونقيس المسافة في ثوانٍ. في زمن القوافل، كل مرحلة كانت حساباً للماء والطعام والظل والحيوان والأمن. لذلك يصبح الطريق نفسه مؤسسة.

درب زبيدة ليس مجرد أثر قديم يمكن تصويره. هو تذكير بأن الحج كان أيضاً تحدياً لوجستياً هائلاً، وأن خدمة الحاج احتاجت إلى دولة ومحسنين وعمال ومعرفة بالأرض.

الصدقة التي تتحول إلى هندسة

في الثقافة الإسلامية، سقي الماء وخدمة المسافر والحاج من أبواب الخير المعروفة. لكن حين يتحول هذا المعنى إلى خزانات وقنوات وبرك على مئات الكيلومترات، نرى كيف يمكن للقيمة الدينية أن تصبح بنية تحتية.

الإيمان هنا لا يبقى كلمة. يصبح حجراً وماءً وطريقاً.

من كانت تمشي على الطريق؟

حين نتخيل الحج القديم، لا ينبغي أن نتخيل الرجال وحدهم. نساء أيضاً قطعن الطرق، مع أسر أو قوافل، وتحملن مشقة السفر. التاريخ لا يحفظ أسماء معظمهن، لكن أجسادهن عرفت الغبار والعطش والمسافة.

وجود زبيدة في اسم الطريق يفتح الباب كي نتذكر نساء أخريات لم تحمل الطرق أسماءهن.

أروى والمدينة التي اختارتها

اختيار جبلة لم يكن تفصيلاً جمالياً. المدينة محاطة بتضاريس تمنحها حماية وموقعاً مناسباً، وكانت جزءاً من توازنات سياسية ودينية. العاصمة ليست دائماً أكبر مدينة، بل المكان الذي يخدم السلطة في لحظة معينة.

حين تنتقل السلطة، تنتقل معها الكتبة والوفود والمال والحكايات. مدينة صغيرة في عين السائح قد تكون يوماً قلب دولة.

الملكة التي طال حكمها

طول حكم أروى يفرض علينا احترام التفاصيل. من السهل أن تصل شخصية إلى السلطة في لحظة استثنائية، لكن البقاء عقوداً يعني إدارة مستمرة للأزمات والتحالفات والموارد.

لهذا لا أحب وصفها فقط بأنها امرأة قوية. كلمة قوية عامة جداً. أريد أن أعرف ماذا فعلت القوة عندما استيقظت صباحاً: من فاوضت؟ ماذا قررت؟ ماذا حافظت عليه؟

نساء حول أروى

أروى نفسها لم تكن المرأة الوحيدة ذات الحضور في البيت الصليحي. أسماء مثل أسماء بنت شهاب تذكرنا بأن ظهور امرأة في السياسة لا يعني أنها نبتت وحدها في أرض لا تعرف النساء.

أحياناً نصنع من المرأة المشهورة استثناءً مطلقاً، ثم نستخدم الاستثناء كي ننسى البيئة التي سمحت بظهورها.

اليمن الذي يتغير كل مئة كيلومتر

من مأرب إلى جبلة، ومن صنعاء إلى تهامة وحضرموت، تتغير الأرض والعمارة والمناخ واللهجة والمحاصيل. كلمة اليمن واسعة أكثر مما تبدو على الخريطة.

لهذا حين نكتب عن عسل اليمن أو تاريخ اليمن أو ملكات اليمن، يجب ألا نتحدث عن البلاد كأنها وادٍ واحد.

القاهرة ليست فقط مسرح شجر الدر

حين تصل الحملة الصليبية إلى مصر، كانت المدينة والدولة تتحركان تحت ضغط هائل. الجنود والعلماء والتجار والعامة لا يعرفون كيف ستنتهي الأزمة. في هذه اللحظة تظهر قرارات القصر داخل خوف مجتمع كامل.

ربما يجعل هذا شجر الدر أكثر إنسانية من صورة التاج. السلطة ليست دائماً امتيازاً. أحياناً هي أن الجميع ينتظر منك قراراً وأنت أيضاً لا تعرف النهاية.

من الرق إلى قمة السلطة

مسار شجر الدر يكشف أيضاً طبيعة المجتمعات العسكرية في ذلك العصر، حيث استطاع أشخاص بدأوا حياتهم في الرق أن يصلوا إلى مواقع نفوذ هائلة. هذا لا يجعل نظام الرق عادلاً، بل يبين تعقيد البنية التي صنعت المماليك.

التاريخ مليء بمفارقات لا تقبل جملة أخلاقية واحدة.

حين يعترض العالم على امرأة في الحكم

وصول شجر الدر إلى السلطنة أثار اعتراضات سياسية ودينية. وهذا الاعتراض نفسه وثيقة عن حدود ما كان مقبولاً في ذلك الزمن. وجود امرأة على العرش يجعل قواعد النظام ظاهرة لأن الناس يبدأون فجأة في شرحها والدفاع عنها.

أحياناً نفهم القانون أكثر عندما يحاول شخص عبور حدوده.

زنجبار ليست حكاية عربية فقط

حين نصل إلى زنجبار يجب أن ننتبه إلى اللغة التي نستخدمها. الجزيرة أفريقية، وسكانها وتاريخها السواحلي أقدم وأوسع من مرحلة الحكم العُماني. الوجود العُماني أصبح طبقة قوية داخل تاريخ موجود أصلاً.

احترام عُمان لا يحتاج إلى تقليل أفريقيا، واحترام أفريقيا لا يحتاج إلى حذف الروابط العربية. الغنى في التداخل.

السواحلية نفسها شاهد

اللغة السواحلية تحمل في مفرداتها آثار قرون من الاتصال بين الساحل الأفريقي والعرب والفرس والهند والمحيط. اللغة أحياناً أرشيف يتحرك في أفواه الناس.

قد يختفي ميناء قديم، لكن كلمة تبقى وتقول إن شخصين التقيا هنا قبل زمن طويل.

سلمى والمرأة التي تشرح البيت

المذكرات تمنحنا أشياء لا تعطيها عادة كتب الدول: من يجلس أين، كيف يتعلم الأطفال، ماذا يحدث في المناسبات، كيف تبدو العلاقات داخل الأسرة. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع إحساس الحياة.

لذلك قد يكون وصف غرفة في كتاب سلمى أهم لفهم عالمها من تاريخ معاهدة سياسية كبيرة.

حين تصبح أوروبا هي الغربة

في كثير من الأدب الأوروبي القديم كان الشرق هو الغريب. عند سلمى تنقلب الزاوية. أوروبا هي المكان الجديد، والبرد واللغة والعادات تحتاج إلى تفسير. هذه الحركة في النظرة وحدها ثمينة.

كل إنسان مركز عالمه حتى يسافر.

المرأة ليست دائماً صوت النساء كله

سلمى أميرة، وولادتها داخل أسرة حاكمة أعطتها تجربة لا تمثل امرأة فقيرة في زنجبار ولا امرأة ريفية في عُمان. يجب ألا نحول صوتاً نادراً إلى صوت شامل.

الندرة تجعل المصدر مهماً، لا ممثلاً للجميع.

لماذا نحب الملكات أكثر من النساء العاديات؟

لأن أسماء الملكات تصلنا بسهولة. هناك نقود وقصور ومؤرخون يهتمون بهن. أما المرأة التي أدارت مزرعة أو صنعت قماشاً أو علّمت أطفالاً فقد تختفي من السجل.

هذه السلسلة تبدأ بالمشهورات، لكنها يجب أن تذكرنا دائماً بمن لم يستطع التاريخ حفظ أسمائهن.

ما الذي يجعل الاسم يعيش؟

دين، مدينة، مبنى، قصيدة، طريق، كتاب، أو حتى خصم كتب عنك. طرق البقاء في الذاكرة مختلفة. بلقيس بقيت عبر قصة دينية وموروث، زبيدة عبر طريق، أروى عبر مدينة وجامع، وسلمى عبر كتاب.

ربما التاريخ ليس فقط ما حدث، بل أيضاً ما وجد وسيلة للبقاء.

القهوة لم تكن في سبأ لكن الطريق كان موجوداً

من أخطاء الكتابة الثقافية أن نضع كل ما نحبه في زمن واحد. لا نريد مجلساً خليجياً حديثاً داخل سبأ القديمة ولا فنجان قهوة في عصر لم تصل فيه القهوة بعد إلى هذه الصورة الثقافية. لكل زمن رائحته وأشياؤه.

احترام التفاصيل الصغيرة هو ما يمنع المقال التاريخي من التحول إلى ديكور شرقي عام.

المرأة والسلطة لا تعنيان الشيء نفسه في كل عصر

ملكة سبأ في نص ديني، زبيدة داخل بيت خلافة، أروى حاكمة، شجر الدر سلطانة في أزمة، سلمى أميرة وكاتبة. كلمة سلطة تتغير بينهن.

أحياناً تكون السلطة قراراً، وأحياناً مالاً، وأحياناً شبكة عائلية، وأحياناً القدرة على كتابة روايتك بنفسك.

مكة في قلب الطرق لا في نهايتها فقط

الحاج يرى مكة غاية الرحلة، لكن تاريخياً كانت أيضاً نقطة تجمع يأتي إليها الناس من أقاليم بعيدة ثم يعودون حاملين أخباراً وأفكاراً وكتباً وعلاقات.

طريق زبيدة لذلك ليس طريقاً ينتهي. هو طريق يعيد توزيع ما جمعه الحج من البشر.

الوقف وفكرة البقاء

في الحضارة الإسلامية ظهرت أشكال كثيرة لتحويل المال إلى منفعة مستمرة عبر الأوقاف والصدقات الجارية. حتى حين لا يكون كل مشروع في قصتنا وقفاً بالمعنى الفقهي نفسه، تبقى الفكرة الثقافية قريبة: أن تترك شيئاً يخدم بعدك.

ربما هذا هو أجمل شكل للثراء الذي لا يحتاج أن يحمل اسم صاحبه على باب ذهبي.

أروى والرسائل التي لا نسمع صوتها

الحكم يحتاج إلى كتابة: أوامر، رسائل، ضرائب، تعيينات، تفاوض. معظم هذه الأصوات اليومية لا تصل إلى القارئ العادي، لذلك تبدو الملكة في الكتب كأنها تنتقل من حدث كبير إلى حدث كبير.

بين الحدثين كانت هناك إدارة يومية، وهي الجزء الذي يجعل الحكم حقيقياً.

نساء اليمن خارج القصر

حين نتحدث عن ملكات اليمن، لا ينبغي أن ننسى النساء في الحقول والأسواق والبيوت والقرى. لم يحملن ألقاباً، لكن الاقتصاد الذي حكمته الملكة كان قائماً على عمل مجتمع كامل.

الملكة مرئية لأنها في الأعلى، لكن التاريخ الاجتماعي يبدأ حين ننظر إلى الأسفل أيضاً.

شجر الدر والاسم الذي بقي

حتى اسم شجر الدر يحمل جمالاً أدبياً جعل الذاكرة تتعلق به. الأسماء نفسها يمكن أن تساعد الشخصية على العبور في الحكاية. لكن وراء الاسم امرأة عاشت صراعاً سياسياً قاسياً انتهى بعنف.

الجمال اللغوي لا يجب أن يخفف قسوة الواقع.

النيل والصحراء والبحر

رحلتنا في الجزء الأول تعبر بيئات مختلفة تماماً: مأرب الزراعية، طريق الصحراء، جبال اليمن، وادي النيل، ثم المحيط الهندي. هذا التنوع وحده يكسر صورة الشرق كمنظر واحد.

الثقافة تتغير لأن الأرض تتغير.

حين تقرأ سلمى اليوم

القارئ المعاصر قد يجد في كتاب سلمى أشياء قريبة وأخرى مزعجة وأخرى غريبة. هذه المسافة جيدة. الكتاب التاريخي ليس مطلوباً منه أن يوافقنا.

المهم أن يسمح لنا بسماع إنسان من زمن آخر قبل أن نبدأ محاكمته.

ماذا نأخذ معنا إلى الجزء الثاني؟

نأخذ قاعدة واحدة: لا يكفي أن نحب الاسم. نريد المكان والمصدر والسياق وما لا نعرفه. بهذه القاعدة سنقترب من زنوبيا وديهيا وولادة والسيدة الحرة دون أن نحولهن إلى ملصقات.

الفضول أجمل من اليقين السريع.

ليس كل ما بقي كان الأهم

هناك حقيقة مزعجة في التاريخ: ما بقي لنا ليس بالضرورة ما كان أهم للناس في زمنه. الحجر يبقى أكثر من القماش، والمرسوم أكثر من الحديث اليومي، واسم الحاكم أكثر من اسم الطباخ أو القابلة أو الفلاحة. لذلك فإن الأرشيف منحاز بطبيعته إلى أشياء معينة.

حين نقرأ عن النساء، يصبح هذا الانحياز أوضح. كثير من أدوارهن كانت داخل مساحات لا تنتج النقوش والعملات والكتب السياسية نفسها.

من المرأة المشهورة إلى المجتمع

لهذا أريد أن تكون كل شخصية نقطة بداية لا نهاية. بلقيس تقود إلى سبأ، زبيدة إلى الحج والبنية التحتية، أروى إلى اليمن الوسيط، شجر الدر إلى الدولة العسكرية، وسلمى إلى المحيط والهجرة والكتابة.

إذا خرجنا بخمس سير فقط، فقد خسرنا نصف الرحلة.

المال الذي يصبح ذاكرة

في كل هذا المقال يعود سؤال الثروة بطريقة مختلفة. سبأ وثروة التجارة، زبيدة وثروة تُنفق على الطريق، أروى وثروة الدولة، شجر الدر وموارد السلطنة، سلمى وقصر زنجبار. لكن المال وحده لم يحفظ أياً منهن.

الذي بقي هو القصة والمعنى والمكان وما تركه المال حين تحول إلى شيء آخر.

حين نزور المكان يوماً ما

أتمنى أن يأتي يوم نستطيع فيه أن نمشي في مأرب وجبلة ونقرأ النقوش وننظر إلى الجبال لا من شاشة. وأن نسير في أثر طريق الحج، ونقرأ القاهرة من مبانيها، ونصل إلى عُمان وزنجبار والبحر الذي جمعهما.

المعرفة من الكتاب عظيمة، لكن المكان يضيف أسئلة لا يعرف الكتاب أنها موجودة.

هذه ليست قصة عن الماضي فقط

طريقة تعاملنا مع هذه الأسماء اليوم تقول شيئاً عنا. هل نستخدمها للفخر فقط؟ هل نختار منها ما يوافق صورتنا ونخفي الباقي؟ أم نسمح لها أن تجعل تاريخنا أكثر تعقيداً؟

بالنسبة لي، الثقافة الحقيقية لا تخاف من التعقيد.

قبل أن نتجه غرباً

في الجزء الثاني سنترك المحيط الهندي ونعود إلى تدمر، ثم نعبر إلى جبال الأوراس، وندخل مكتبات قرطبة ومجالس شعرها، قبل أن ننتهي في تطوان وهي تنظر إلى الأندلس من الضفة الأخرى.

هناك سنسأل سؤالاً مختلفاً: ماذا تفعل الذاكرة حين تصبح المرأة رمزاً بعد موتها بقرون؟

أسئلة

أسئلة من الطريق

لا. القرآن الكريم يذكر قصة امرأة تحكم سبأ في سورة النمل من دون أن يسميها بلقيس. الاسم اشتهر في الموروث اللاحق.

نعم، كانت من أبرز حكام الدولة الصليحية ومارست سلطة سياسية طويلة من جبلة في اليمن.

طريق حج عباسي طويل ربط العراق بمكة، واشتهر باسم زبيدة بنت جعفر لارتباط ذاكرتها برعاية منشآت وخدمات للحجاج.

نعم، وصلت إلى السلطنة سنة 1250 في لحظة الانتقال من الحكم الأيوبي إلى صعود المماليك، وكان حكمها المنفرد قصيراً ومثار نزاع.

أميرة من أسرة سعيد بن سلطان، ولدت في زنجبار وعاشت لاحقاً في ألمانيا باسم إميلي رويته وكتبت مذكراتها.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Shopping Cart
Scroll to Top