اليمن · سقطرى · حلم بدأ من مذاق
سقطرى التي وصلت إليّ
قبل أن أصل إليها
لم أعرف سقطرى من فيلم وثائقي. عرفتها من ملعقة عسل، ومن سؤال بسيط: من أين جاء هذا الطعم؟

هناك بلدان نصل إليها بالطائرة.
وهناك أماكن تصل إلينا قبل أن نصل إليها.
سقطرى فعلت معي ذلك.
والأغرب أن الباب لم يكن صورة شجرة دم الأخوين.
لم يكن تقريراً تلفزيونياً.
لم يكن كتاب سفر.
كان عسلاً.
«أحياناً يكفي مذاق واحد كي تبدأ في البحث عن جزيرة كاملة.»
مسكاوي
منتج يمني في الإمارات
كنت أتحدث مع منتج يمني عن العسل.
قلت له إنني أحب العسل القوي، الذي له شخصية واضحة، مثل بعض أعسال الكستناء الكورسيكية التي لا تختبئ خلف السكر.
فأعطاني عسلاً من سقطرى.
تذوقت.
وكانت ردة فعلي بسيطة جداً: واااو.
منذ ذلك اليوم ذقت أعسالاً أخرى تحمل اسم سقطرى، لكن ذلك العسل بقي في ذاكرتي أقوى.
بعد المذاق جاء الاسم
بدأت أبحث عن المكان.
أين سقطرى؟
لماذا تبدو أشجارها هكذا؟
كيف يمكن أن تكون جزيرة يمنية قريبة من خليج عدن، وفي الوقت نفسه تحمل طبيعة تشبه عالماً منفصلاً؟
كل إجابة كانت تفتح سؤالاً جديداً.
الجزيرة ليست صورة غريبة فقط
اليونسكو لا تصنف أرخبيل سقطرى بسبب جمال الصور، بل بسبب قيمة التنوع الحيوي الاستثنائية.
تذكر المنظمة أن 37 في المئة من أنواع النباتات المسجلة هناك لا توجد في أي مكان آخر، وكذلك نسب مرتفعة جداً من الزواحف والقواقع البرية.
هذا يعني أن الشعور بأن المنظر «ليس من هذا العالم» له أساس حقيقي: أجزاء كثيرة من الحياة هناك تطورت بصورة شديدة الخصوصية.
ثم اكتشفت أن الغرابة ليست نباتية فقط
في سقطرى لغة محلية خاصة هي السقطرية.
اليونسكو دعمت في السنوات الأخيرة جهوداً لحماية هذه اللغة وتطوير العمل حول كتابتها وحفظها.
لفتني أن اللغة تحمل مفردات مرتبطة بالمطر والسحب والرعي والنبات والحيوان.
كأن البيئة نفسها دخلت في القاموس.
وهنا يبدأ المكان بالنسبة لي بالخروج من صورة «جزيرة جميلة» إلى شيء أعمق بكثير.
أنا لا أعرف سقطرى بعد
وهذا مهم.
يمكنني أن أقرأ مئة دراسة، لكنني لا أعرف كيف يبدو الصباح هناك.
لا أعرف رائحة الهواء.
لا أعرف صوت السوق.
لا أعرف كيف ينظر أهل الجزيرة إلى الأشياء التي نراها نحن استثنائية.
ربما بالنسبة لطفل سقطري، الشجرة التي توقفني أمام الشاشة جزء عادي من طريق يعرفه منذ صغره.
وهذه المسافة بين دهشتي وحياته اليومية هي بالضبط ما أريد أن أفهمه.
المعرفة ليست بديلاً عن اللقاء
أحب البحث.
لكنني لا أريد أن أخدع نفسي وأقول إن البحث يساوي التجربة.
يمكنك أن تعرف اسم النبات ولا تعرف شعور الوقوف تحته.
يمكنك أن تقرأ عن لغة ولا تعرف موسيقاها عندما يتحدث بها شخص مع أمه.
يمكنك أن ترى ألف صورة للبحر ولا تعرف رائحة الشاطئ.
ربما لهذا السبب بقي الحلم
بعض الأماكن تفقد جزءاً من سحرها عندما نعرف عنها كل شيء.
سقطرى حدث معها العكس.
كلما تعلمت، زاد فضولي.
لكنني أتمنى أن يأتي يوم أستطيع فيه الذهاب بأمان، ثم أعود إلى هذا النص وأقول: كنت أتخيل شيئاً، ووجدت شيئاً آخر.
عندها سيكون المقال التالي أجمل:
وصلت أخيراً إلى سقطرى.
سقطرى
لا. المقال يعلن ذلك بوضوح، وهو نص عن الاكتشاف والبحث والرغبة في رؤية المكان مستقبلاً، لا تقرير رحلة.
لأنها تتمتع بمستويات عالية جداً من الأنواع المتوطنة التي لا توجد طبيعياً في أماكن أخرى، وهو أحد أسباب إدراج الأرخبيل على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
لا يقدّم هذا المقال هذا الادعاء. تسمية عسل بأنه من سقطرى تشير إلى الأصل الجغرافي، أما المصدر الزهري فيحتاج إلى معلومات وأدلة خاصة بكل حصاد.
