حصن الذكريات/الفصل السادس

العين الزرقاء

اشتهر الماء. أما أنا، فأحببت كل ما كان حوله.

The Blue Spring
ابدأ الفصل
٠٦

يتذكر الزائر الماء أولاً. أما أنا، فأتذكر الأصدقاء والجرف وحانوت عمي والموسيقى والطريق الممتد إلى البساتين.

ذكرى من قصر مسكي · تافيلالت، المغرب

يتحدث الناس عن العين الزرقاء في مسكي كأنها جوهرة وُضعت تحت الجرف ليعثر عليها العالم. يتذكرون الحوض المظلل بالنخيل، والماء البارد إلى حدّ يقطع الأنفاس، والفتية الذين يرمون أجسادهم من فوق الصخر، والأصوات الصاعدة نحو الهضبة.

وهم محقون في محبتها. إنها جميلة، وهي جزء من ذاكرة القرية. وقد تجاوز اسمها حدود الواحة بوقت طويل، قبل أن نفهم نحن معنى أن يصبح المكان مشهوراً.

غير أن الشهرة تغيّر ترتيب الأشياء في الذاكرة. فالزائر يتذكر الماء أولاً.

أما أنا، فأتذكر الأصدقاء.

كنا ننزل إليها كل يوم تقريباً، ولم نكن نذهب دائماً من أجل السباحة. في أيام كثيرة، لم تكن العين سوى الموعد الذي نلتقي فيه جميعاً. ننزل لأن واحداً منا ينتظر في الأسفل، أو لأن ابن عم وصل، أو لأن صديقاً لم يكن لديه ما يفعله، أو لأن الطفولة لا تحتاج إلى حجة أعظم من قضاء ساعات معاً.

بعض أصدقائي لم يكونوا من مسكي. كان أهل القرية يدخلون من غير مقابل، ولذلك كانوا يأتون معي أحياناً، مستفيدين في صمت من صحبتهم لي. كنا نضحك من الأمر. ففي ذلك العمر، كانت للصداقة قوانينها الصغيرة.

وربما لهذا لم تحرّك العين الزرقاء في داخلي ما كانت تحرّكه في نفوس القادمين من بعيد. لم أكن أقف أمام أعجوبة؛ كنت أعبر جزءاً مألوفاً من الحياة.

١ المشهد قبل النزول

فوق الجرف

أحياناً، لم نكن ننزل مباشرة.

كنا نجلس قريباً من حافة الجرف وننظر إلى الأسفل. كان المكان خطراً بما يكفي كي ننتبه، ولكنه لم يكن خطراً بالقدر الذي يمنع الفتية من الاعتقاد أنهم يعرفون تماماً إلى أي حد يمكنهم الاقتراب.

تحتنا، كان الناس يتحركون على السلالم. ينزل بعضهم سريعاً، ولا تزال القوة في أجسادهم، ويصعد آخرون ببطء، يتوقفون لالتقاط أنفاسهم، وكأنهم ندموا سلفاً على سهولة النزول.

خلف الحوض، كانت أشجار النخيل تنتشر في الواحة بكل درجات الخضرة. وعلى الجانب الآخر، كان القصر القديم يرتفع من الأرض بلون الهضبة نفسها، كأنه لم يُبن فوق التراب، بل خرج منه.

من ذلك العلو كنا نرى عالم طفولتنا كله: الماء، والصخر، والنخيل، والممرات، والبيوت، والناس ينادي بعضهم بعضاً من أسفل.

صبيان يجلسان فوق واحة النخيل في مواجهة قصر مسكي
كنا قريبين بما يكفي لنسمع الحياة في الأسفل، وعاليين بما يكفي لنظن أننا نفهمها.
العين الزرقاء في مسكي كما تبدو من أعلى الجرف
تحت النخيل

عالم صغير تحت النخيل

من الأعلى، كان الحوض يبدو كأنه يختبئ بين النخيل. يلتقط الماء الضوء في شظايا متفرقة، ويصير الناس في الأسفل أشكالاً صغيرة تتحرك بين الظل والشمس.

لم تكن العين الزرقاء ساكنة قط. حتى حين يهدأ سطح الماء، يبقى المكان مشحوناً بالانتظار. هناك دائماً من يصعد إلى موضع أعلى، ومن يستعد للقفز، ومن ينادي صديقاً كي ينظر.

كنا نعجب بأمهر الغطاسين. يقفزون من الصخور، وبعضهم يرتفع أكثر بين النخيل. وكانت أجسادهم تدور في الهواء بخفة تجعلنا نظن أن الشجاعة نعمة تُمنح لبعض الفتية منذ الولادة.

كان الحوض الشهير تحت النخيل ممتلئاً بالأصوات والحركة والانتظار.

السلالم الطويلة الصاعدة من العين الزرقاء بين النخيل
كان النزول للحماسة. أما الصعود، فكان للذاكرة.
٢ السلالم

كان النزول سهلاً

كانت السلالم تبدأ من أعلى الجرف ثم تختفي تحت النخيل. لم يكن النزول يحتاج إلى تفكير. كنا صغاراً، والنهار كله أمامنا، وكانت الجاذبية تبدو رفيقاً كريماً.

أما الصعود، فكان حكاية أخرى.

بعد ساعات في الماء البارد، وبعد الضحك والمشي وثقل الملابس المبللة، كانت كل درجة تستعيد جديتها. السلالم التي رحبت بنا في الصباح كانت تختبرنا في آخر النهار.

لعلها واحدة من أصدق قوانين الطفولة: النزول للحماسة، أما الصعود فللذاكرة.

اليوم الذي حاولت فيه أن أبدو بلا خوف

جاء معي أحد الأصدقاء ذات يوم، وأردت أن أثير إعجابه. لم تكن وراء الأمر خطة عظيمة؛ فالكبرياء يصل إلى قلب الصبي أحياناً قبل أن تجد الحكمة وقتاً للاعتراض.

صعدت أعلى من المعتاد، وفعلت ما لم أكن أفعله إلا نادراً: حاولت تقليد أولئك الذين يعرفون كيف يغطسون.

كان الفتية المجربون يدخلون الماء ويتقدمون فيه، ثم يصعدون سريعاً، وقد تهيأت أجسادهم لما سيفعله الماء. أما أنا فدخلت على نحو سيئ. وبدلاً من أن أمضي داخل الحوض، هبطت إلى القاع.

ارتطم رأسي بالقاع ارتطاماً خفيفاً، وامتدت الصدمة إلى ظهري. حملت ذلك الدرس في كل حركة مدة يومين.

ولله الحمد، لم يكن الأمر خطيراً. واليوم أضحك حين أتذكره. كانت مغامرة بين مغامرات كثيرة؛ صغيرة بما يكفي كي تصبح طريفة، وحادة بما يكفي كي لا تختفي أبداً.

صبي يقفز إلى العين الزرقاء فيما يراقبه الآخرون
للحظة قصيرة أردت أن أبدو بلا خوف. فصحح لي الماء ظني.
صبيان يتركان ملابسهما في حانوت تقليدي للتذكارات
جاء الزوار ليشتروا ذكريات من مسكي، وكنا نصنع ذكرياتنا بين الأشياء التي سيحملونها معهم.
٣ ملجأ إلى جوار الماء

حانوت عمي

إلى جوار العين كان حانوت عمي الصغير لبيع التذكارات. بالنسبة إلى الزوار، كان مكاناً للسجاد، والملابس، والحلي، والفوانيس، والأشياء المصنوعة باليد. أما بالنسبة إلينا، فكان مكاناً أكثر قرباً وأكثر نفعاً: نترك فيه أغراضنا، ونبدل ملابسنا، ونرتاح ونتحدث، ثم نعود إلى أنفسنا بين سباحتين.

قبل السباحة، نضع ملابسنا ونعالنا في الحانوت. وحين يشتد علينا البرد، أو حين نرغب فقط في الجلوس، نعود إليه.

كان في الحانوت دفء هادئ لا يمنحه الحوض. الأشياء في كل مكان: أطباق منسوجة، وحلي، وقطع نحاسية، وملابس وسجاد. كنا نجلس بينها كأنها جزء من بيتنا منذ الأزل.

أحياناً نشرب الشاي، وغالباً نكتفي بالكلام. كان الحانوت بالنسبة إلى السائح جزءاً من الزيارة، أما بالنسبة إلينا فكان ملجأً.

لقد غيّر الحانوت معنى العين. جعل المكان العام يبدو مكاناً عائلياً.

بعد أن غادر السباحون

حين صار الحانوت غرفة للموسيقى

في المساء، كان الحانوت يتوقف أحياناً عن كونه متجراً. تبقى البضاعة على الجدران، لكن البيع ينسحب من المكان.

يجتمع أبناء عمي. يغني واحد، ويضرب آخر على الدربوكة، ويحمل غيره القيثارة. لم تكن هناك خشبة، ولا عرض، ولا جمهور ينتظر أن يُدهش. كانت هناك فقط أصوات نعرفها، وكؤوس شاي، وضحكات، وحرية أن تدخل الأغنية متى وصلت إليك.

كانت العين الزرقاء على خطوات قليلة، مشهورة تحت النخيل. لكن أعمق دفء في ذلك اليوم كان هنا، داخل الحانوت الصغير، بين أفراد العائلة.

وهذه من رحمات الذاكرة الغريبة: أنها تمنح غرفة متواضعة عمراً أطول من مكان ذائع الصيت.

حين بقي الضجيج وراءنا

لم يكن مغادرة العين الزرقاء تعني دائماً العودة إلى البيت. ففي بعض الأيام، كانت تعني أن الجزء الذي أحبه أكثر من النهار لم يبدأ بعد.

نمشي داخل الواحة، ونتبع الجداول الصغيرة تحت النخيل. كنا نعرف مواضع عدة يخرج منها ماء عذب. نشرب منها لأننا نعرفها، ولأن الطفولة تثق بالمألوف قبل أن تتعلم كيف تسأله.

شيئاً فشيئاً، يختفي ضجيج الحوض خلفنا. يضيق الممر، وتنغلق سعفات النخيل فوق رؤوسنا، ويصير العالم أكثر هدوءاً وأكثر انتماءً إلينا.

على مسافة تقارب ربع ساعة كان بستان جدي. لم نكن نقيس المسافة؛ كانت أقدامنا تعرفها.

ممر ضيق في الواحة بمحاذاة ساقية ماء تحت النخيل
شيئاً فشيئاً، اختفى ضجيج العين وراءنا.
بستان جدي تحت نخيل مسكي
ما وراء المكان الشهير

حيث عاد النهار إلينا

في البستان كانت أشجار النخيل، وسواقي الماء، وأشجار الرمان. نفتح الثمر بأيدينا ونأكله هناك، فتلمع الحبات الحمراء وسط الظل.

كنا نتسلى بالقفز من ضفة إلى أخرى فوق سواقي الري. لعبة صغيرة نكررها مرات كثيرة، لكن الذاكرة لا تقيس قيمة اللحظة بمقدار تعقيدها.

لم يكن هناك برنامج نتبعه. كان الشيء يقود إلى ما بعده على سجيته: الجرف، والنزول، والأصدقاء، والماء البارد، والحانوت، والشاي، والموسيقى، والطريق بين النخيل، والبستان، والرمان.

كانت العين الزرقاء أشهر نقطة على الخريطة. أما قلبي فكان يمضي إلى ما بعدها.

ما الذي علّمني إياه هذا المكان

لا يصبح المكان جزءاً منا بما يُظهره فقط، بل بمن يعلموننا كيف نعيش حوله.

جاء الزوار إلى مسكي ليكتشفوا العين الزرقاء. أما أنا، فأتذكر الأصدقاء وأبناء العم وأفراد العائلة الذين حوّلوا المكان الشهير إلى أرض عادية من أراضي الطفولة.

Shopping Cart
"The walls of Ksar Meski protected its people. These pages protect their memory."
Scroll to Top