باعزيزي
أوضح ما بقي عندي من يوم موته
هو أبي يبكي.
كان واقفًا أمام البيت، وحوله الأقارب والأصدقاء يعزّي بعضهم بعضًا. كنت هناك، لكن الذاكرة لم تحتفظ باليوم كاملًا. أبقت صورًا متفرّقة، وكان حزن أبي من أشدّها حضورًا.
عرفت جدّي، لكنني لم أعرفه بالقدر الذي تمنّيته لاحقًا. لا تسكنه ذاكرتي في حكاية متّصلة، بل في لقطات: قامته الطويلة، وجسده القوي، ورأسه الحليق، والرِزّة البيضاء التي كان يلفّها أحيانًا.
اسمه محمد بن التهامي. أصدقاؤه ينادونه بينا. ونحن، أحفاده، نقول باعزيزي.
لم يكن له شارب ولا لحية. كان طيبًا معنا، وشديدًا حين يرى أن الشدّة لازمة. كريمًا، ولا يتصنّع محبّة من لا يحب. كان رجل عائلة، لا رجلًا صقلته الذاكرة حتى صار بلا عيوب.
إعادة بناء بصرية تستند إلى شهادة الأسرة
قوي وكريم،
لا يتراجع بسهولة
كان كبير الأسرة، وصاحب القرار فيها. نشأ تحت سلطته خمسة أبناء وبنت واحدة.
ولم تكن السلطة كل ما أعطاه. كان أبي يتحدّث عنه باحترام. وتذكر العائلة كرمه، وإحساسه بالمسؤولية، والفرح الذي كان يستطيع أن يجمعه حوله.
حين نكثر من الشغب، كان ينادينا أحيانًا: «بن ليهودي لَخُر». بقيت العبارة في أذني أوضح من شرح معناها. كانت تخرج بصوته، وذلك وحده كان يكفي لنفهم.
يوم انتظرته القرية
حين عاد من مكة، انتظرته القرية. كان الناس فرحين برجوعه.
لا أريد أن أحمّل المشهد قداسة أكثر مما تحملها الذاكرة نفسها. يكفيني أنه لم يكن رجوعًا إلى العائلة وحدها؛ كان رجوعًا إلى أناس رأوه يرحل وفرحوا حين رأوه يعود إلى بيته.
المنجم والمسافة إلى البيت
عمل داخل مناجم عولي. كان له مسكن هناك بسبب العمل، وأقام مدة، ثم ظلّ يتردّد بين عولي ومسكي حتى عاد نهائيًّا.
كان المنجم واحدًا من السبل التي أعال بها أسرته. لم يكن حياته كلها، لكنه أخذ نصيبه من جسده. أثّر الغبار وثقل العمل في صحته، ولن أعطي اسمًا لمرض لم تسمّه الأسرة بدقّة.
عرف أبي ذلك العالم عن قرب. وهو طفل، كان يحمل إليه أحيانًا وجبة بسيطة: صحنًا أو إناءً صغيرًا، وخبزًا ملفوفًا في ثوب. لم تكن المسافة بعيدة، لكن الطفل كان يتعلّم مبكرًا أين يلتقي العمل بالعائلة.
إعادة بناء بصرية تاريخية
في داخل عولي
عمل يدخل إلى الجسد قبل أن يعود أجره إلى البيت.
إعادة بناء بصرية تستند إلى شهادة الأسرة
صحن وخبز في ثوب
وجبة بسيطة، وطفل يتعلّم المسؤولية من غير أن يسمّيها.
إعادة بناء بصرية تاريخية
العودة إلى مسكي
لم تنتهِ السنوات الصعبة، لكن الابن صار قادرًا على حمل جزء أكبر منها.
«لم تعد محتاجًا إلى هذا العمل.
أنا أستطيع أن أساعد الآن.»
لم يمحُ أبي السنوات التي سبقت. لكنه بلغ السن التي يستطيع فيها أن يطلب من أبيه أن يضع جزءًا من الحمل.
وكان أيضًا رجل أرض
لم تكن أراضيه مجتمعة في مكان واحد. بعضها قريب من البيت، وبعضها أبعد بساعة مشي، وبعضها قرب العين الزرقاء، وبعضها ممتدّ في وادي زيز.
إعادة بناء بصرية تاريخية
تمر وقمح،
وطماطم وظل
زرع التمر، والطماطم، والبامية، والقمح، والزيتون، والقرع، والرمان، والفلفل، والعشب للحيوانات، بحسب الفصل وما تسمح به كل قطعة أرض.
يعمل وحده أحيانًا، ومع العائلة أحيانًا أخرى. هناك الحمار، والمضخة، وماء الساقية حين يتيسّر.
ما تزال الأرض موجودة، وما تزال الأسرة تزرع بعض أجزائها. لم تبقَ كما كانت، لكنها لم تخرج من حياتنا.
والقمح واصل طريقه
القمح الذي كانت جدّتي تنظّفه وتطحنه جاء من هذه الأراضي. وبعد سنوات طويلة، زرع أبي القمح من جديد.
أضفت إليه قمح الكاموت، وهو ليس من أرض مسكي، ثم طلبت من عمّتي بعد الحصاد أن تطحنه بالرحى القديمة. ولعلّ عندي صورة من ذلك اليوم.
عمّتي تذكّرني كثيرًا بجدّتي؛ تشبهها. وفي تلك اللحظة، التقت أرض جدّي، ورحى جدّتي، وعمل أبي، وحبّي أنا للتقاليد داخل الحبة نفسها.
الموبيلت البرتقالية المائلة إلى البني
كانت له موبيلت قديمة بلون برتقالي يميل إلى البني، ولها حامل خلفي. في زمن كانت فيه هذه الآلات قليلة في القرية، عرفها الناس وعرفوا صاحبها. يذهب بها إلى الرشيدية وإلى القرى المجاورة.
ركب أبي خلفه وهو طفل. ولي أنا أيضًا ذكرى مباشرة: جالس خلف باعزيزي أمام البيت. صورة صغيرة، لكنها لي.
إعادة بناء بصرية تستند إلى ذكرى مباشرة
جديدة يومين،
وغائبة سنة
اشتراها جديدة. وبعد يومين فقط، سُرقت من أمام الباب.
مرّ نحو عام. ثم عاد السارق ذات يوم ووضعها في المكان نفسه، بعد أن استعملها حتى بليت. كانت أمي هناك، وما تزال تذكر.
لا أعرف أي تفسير يمكن أن يجعل الحكاية أفضل. بعض حكايات العائلة تكتمل لحظة يبدأ الجميع في الضحك.
إعادة بناء بصرية تاريخية
البيت الذي بناه للعائلة
في سنوات الانتقال إلى القصر الجديد، بنى بيت الأسرة. كان البيت له، وداخله أخذت العائلة شكلًا جديدًا.
كان كبيرها وصاحب القرار فيها. لكن البيت لم يكن كل ما تركه. حوله أراضٍ، وعمل، وطرق، ومسؤوليات، وذاكرة رجل فهم أن الملك يحمّل صاحبه واجبًا أيضًا.
لم يُرِد أن يحتفظ بالماء داخل الجدران
حُفر البئر في الخارج، حيث يستطيع أهل القرية الوصول إليه. وهذا القرار يقول لي عنه أكثر مما يقوله أي أثر يحمل اسمه.
نزولًا في الحجر
لم يحفر وحده. ساعده رجال آخرون. كان البئر عميقًا، وأُنجز أكثر العمل باليد وبما كان متاحًا من أدوات في ذلك الزمن.
وبعد بلوغ العمق، ثُبّت فم البئر بالحجر والإسمنت. وصارت الدائرة البسيطة أمام البيت جزءًا من حياة كل من جاء يطلب الماء.
وحين كان البئر يُستعمل باستمرار، يفيض الماء من خلفه ويجري على المنحدر كجدول دائم.
إعادة بناء بصرية تستند إلى شهادة الأسرة
بيت للعائلة،
وبئر للناس
يأتي الجيران بالدلاء. ويتوقّف الأطفال. وتنتقل الأخبار. يتحرّك الحبل، ويصعد الماء إلى ضوء مشترك.
في ديننا، لبذل الماء منزلة عظيمة. لكن هذا الفصل لا يحتاج إلى موعظة. يكفي البئر نفسه: نافعًا، مفتوحًا، وفي موضع يستطيع الآخرون الوصول إليه.
إعادة بناء بصرية تستند إلى شهادة الأسرة
درجات العين الزرقاء
وتضعه ذاكرة الأسرة أيضًا بين رجال القرية الذين ساعدوا على تثبيت الدرج النازل إلى العين الزرقاء، في سنوات سبقت طفولتي.
لم يبنها وحده. كان العمل عمل رجال عدّة، وحاجة مشتركة إلى جعل النزول أسهل للناس.
كانت للحيوانات طريق أخرى، أبعد ومنحدرة. أمّا هذه الدرجات فخُصّصت لأهل القرية حين ينزلون إلى الماء. وما تزال موجودة إلى اليوم.
ما الذي كنت سأقوله له اليوم؟
لن أبدأ بالمنجم. ولن أبدأ بالأرض، ولا بالموبيلت، ولا بالبيت، ولا بالبئر.
سأشكره أولًا. ثم أطلب منه أن يجلس معي ويحكي لي عن الحياة التي عاشها قبل أن أصبح في سن تسمح لي بالإصغاء.
أسأله عن السنوات الصعبة، وعن الطرق بين عولي ومسكي، وعن الأرض، ومن وثق بهم، ومن لم يحب، وعن الاختيارات التي جعلته الرجل الذي يتذكّره أبي باحترام.
لا أستطيع استعادة ذلك الحديث. أستطيع فقط أن أعترف بأنني كنت أتمنّى لو عرفته أكثر.
أُغلق المنجم وراءه. وشاخت الموبيلت. وسلك أبناؤه طرقًا مختلفة. وبقي البئر أمام البيت.
ما يزال في مواجهة القرية. لا يحمل اسمه، ولا يحتاج إلى ذلك. وُضع الماء حيث يستطيع الناس الوصول إليه، وهذا هو الجزء من حياته الذي ما يزال يتكلّم بأوضح صوت.
اللهم ارحمه وارحم موتى المسلمين أجمعين