قرية واحدة · أفقان · جيلان
على ضفّتي الوادي،
يتقابل ظلان.
أحدهما ما يزال يمضي مع حركة الحاضر، والآخر ترك سقوفه للسماء. وليس بينهما غربة قريتين؛ إنهما وجها قصر مسكي.
وبين الميلادين تمتدّ حكاية قرية عربية واحدة، عبرت من أفق إلى أفق ولم تفارق نفسها.
قصر مسكي قرية عربية صغيرة من قرى تافيلالت، في الجنوب الشرقي للمغرب. لم تبدأ هويتها في كتاب حديث، ولم يمنحها إياها عابرٌ وصفها من بعيد. كانت قائمة قبل الكتابة: في العربية التي تنتقل من باب إلى باب، وفي أسماء الأسر، وفي حروف المسجد وتلاواته، وفي كلمة الجماعة، وفي الذاكرة التي سلّمها الآباء للأبناء، وحملتها الجدّات إلى أحفادهن.
يقيم القصر الذي نعرفه اليوم على جانب من الوادي. وعلى الجانب الآخر، وراء النخيل والانحدار الحجري، تقوم بقايا القصر الذي وُلد فيه أبي. تبدو كتلته الترابية من بعيد كأنها أثر نحتته الريح فوق الواحة؛ خرابًا جميلًا تتأمله عيون لم تسمع غرفةً واحدة فيه تتنفّس.
فالخراب آخر هيئة يتخذها المكان، لا حقيقته الأولى.
لم يُبن القصر القديم عاريًا من السقوف، ولم يولد خاليًا. كان حصنًا مأهولًا شديد الاكتظاظ بالحياة: بيوتًا تتكئ على بيوت، ودروبًا مغطاة، وممرّات لا يدخلها النهار إلا من فتحات قليلة، وأبوابًا تقود إلى الأهل والجيران والصلاة والتجارة. ما صار اليوم للسماء، كان يومًا للخشب والطين وطمأنينة السكن.
يذكر أبي ذلك العالم من داخله. أمّا أنا فعرفته أولًا من الضفة الأخرى، ثم دخلته طفلًا في رحلات قصيرة إلى صمته. حيث رأيت غرفًا منهارة، كان هو يرى جيرانًا. وحيث رأيت السماء عارية فوق الجدران، كان يرى سقوفًا. وحيث شعرتُ بوحشة الخراب، كان هو يقول في سرّه: هنا كان البيت.
وليس هذا الفصل موازنةً بين قصرين، ولا يقف في صدره بطل من البشر. بطله قصر مسكي نفسه: الجماعة التي عاشت تحت سقوف الحصن القديم، ثم بنت ببطء في الجهة الأخرى من الوادي، من غير أن تفقد اسمها ولا روحها.
قرية واحدة تعبر الزمن
- ٠١ حين كان القصر حيًّا قصر أبي تحت السقوف
- ٠٢ المسجد والدرب الحروف والوجوه وإيقاع الأيام
- ٠٣ الوادي الفاصل الفيضانات والبعد وضيق السبيل
- ٠٤ أن نبني من جديد الجماعة والأيدي والبيوت الأولى
- ٠٥ قصري أنا البئر والأبواب المفتوحة وطفولتي
- ٠٦ ما يبقى إيقاع مختلف، والاسم نفسه
حين يتحدث أبي عن القصر القديم، لا يبدأ من الخراب. يبدأ من الستر، ومن القرب، ومن ذلك الشعور بأن الجدران تجمع الناس ولا تفرّقهم. كانت البيوت متلاصقة إلى حدّ أن القرية لا تبدو مجموعة مساكن متجاورة، بل جسدًا واحدًا مأهولًا. تمرّ الدروب المغطاة تحت السقوف، وتعبر الحياة من تحتها كما تعبر في بيت كبير يعرف ساكنوه بعضهم بعضًا.
لم يكن المشي هناك مثل عبور شوارع مسكي الجديدة المفتوحة. كان المرء ينتقل في الظل، تحت الخشب والتراب، وبين جدران تحمل فوقها غرفًا وحيوات أخرى. وكان للقصر ظلامه الخاص: لا ظلام الهجر الذي أخافني فيما بعد وأنا طفل، بل عتمة باردة رحيمة، صُنعت لتردّ الحرّ والريح وانكشاف الصحراء.
من الخارج، بدا القصر حصنًا واحدًا. ومن الداخل، كانت الحياة تقسّمه برفق: بابًا يعقبه باب، وجارًا تسمع صوته من غير أن تراه، وأطفالًا ينتقلون بين الأقارب، وتجارةً وصلاةً وعملًا وحديثًا، كلّها تجري داخل الجسد الترابي نفسه.
إعادة بناء بصرية تاريخية
قرية تشبه بيتًا كبيرًا واحدًا
صحّح أبي في ذهني صورةً ظللت أحملها سنوات. كنت أتصور القصر القديم مكانًا له شوارع. أمّا هو فكان يقول: الدرب. دروب مغطاة، وسقوف فوق الرؤوس، وبيوت تلامس بيوتًا، وعمارة تجعل الناس أقرب، لأن البيوت كان بعضها يسند بعضًا.
وكان هذا من أسباب تفضيله للقصر القديم. كان أهدأ، وأقرب إلى روح العائلة. كانت الوجوه معروفة، وكانت القرية أشدّ التفافًا حول أهلها، وأقلّ اختلاطًا بمن لا يعرفونها ولا تعرفهم.
البيت الملاصق للمسجد
كان بيت الأسرة إلى جوار المسجد. ولم تكن في القصر القديم مدرسة، فتعلّم أبي هناك العربية والقرآن.
لم يكن المسجد للصلاة وحدها. كان مكانًا يتعلّم فيه الطفل الحرف والتلاوة والانضباط، على خطوات قليلة من البيت الذي يقيم فيه أبوه وأمّه. لم تكن المسافة بين الأهل والعلم تمتد عبر بلدة؛ كانت كلّها معقودة داخل نسيج القصر نفسه.
أتخيّله يعبر الدرب المظلل، يخرج من باب يعرفه إلى مكان يعرفه، من غير أن يخطر له أن السقف الذي يمر تحته سيختفي بعد عقود، وأن ابنه سيقف يومًا تحت السماء المفتوحة محاولًا أن يعيد ذلك الطريق بالكلمات.
كان المسجد المدرسة الأولى
لم يحدثني أبي عن فصل دراسي في القصر القديم، لأنه لم يكن موجودًا. حدّثني عن المسجد؛ المكان الذي تعلّم فيه الأطفال العربية، وحملوا منه آيات القرآن إلى الذاكرة.
كان البيت إلى جواره، حتى ليخيّل إليّ أن الإيمان واللغة والأهل كانوا جميعًا في نَفَس واحد.
الأسرة التي كان الجميع يسمّيها الشرفاء
من بين أهل القصر أسرة كان الجميع يسمّيها ببساطة: الشرفاء. لم يكن الاسم مصطلحًا جاء به باحث من خارج القرية، بل كلمةً من كلامها اليومي، وما يزال من يعرفون الأسرة يستعملونها إلى اليوم.
بقيت في الذاكرة المحلية أسرةً محترمة ارتبط اسمها بالتجارة. كان لها حانوت في القصر القديم، ثم عُرفت أجيال منها لاحقًا بالأعمال والدكاكين والعقارات في الرشيدية وغيرها.
ولا تحتاج صورتها إلى مشهد عظيم: حانوت متواضع، وجيران يتوقفون للسلام، وسلع تنتقل من يد إلى يد، واسم تفهمه القرية من غير أن تضطر إلى شرحه.
إعادة بناء بصرية تاريخية
حين مرّت الطائرة فوق السقوف
كان أبي طفلًا في السنوات الأخيرة من الوجود الاستعماري الفرنسي. يذكر قوات فرنسية جاءت إلى مشارف القرية، وانتظرت أن يخرج أهل القصر. لم يخرجوا. وبعد يومين أو ثلاثة، انسحب الجنود.
وبعد أيام، مرّت مروحية فوق القصر. جذبت جدّتي ابنها إليها لتحميه، واستعدّت بما كان في متناولها للدفاع عنه. لم تطلق الطائرة نارًا. ألقت أوراقًا تعلن، كما بقي في ذاكرة أبي، نهاية الاستعمار.
لا أروي هذه اللحظة على أنها فصل من تاريخ عسكري. أحفظها كما حملها أبي: خوف طفل، وغريزة أم، وصوتًا يدور فوق السقوف، ثم أوراقًا تهبط في المكان الذي كان الجميع ينتظر منه الخطر.
هبط الورق من السماء
شدّت أمّ طفلها إليها، ورفعت القرية عينيها. وما نزل لم يكن نارًا، بل أوراقًا تقول إن زمنًا يوشك أن ينقضي.
القصر الذي ظل أبي يفضّله
لم يكن أبي وحده من قال ذلك. وقال غيره من أبناء ذلك الجيل الشيء نفسه: كانوا يفضّلون القصر القديم.
وكان تفسير أبي بسيطًا: هناك كان الهدوء أكثر، والعائلة أقرب، والجماعة أشدّ تماسكًا، والوجوه الغريبة أقلّ حضورًا في الحياة اليومية.
قد يصعب فهم هذا الحنين على من لا يرى سوى الخرائب. فالقصر القديم يبدو اليوم ضيقًا هشًّا بعيدًا. غير أن الراحة لا تُقاس دائمًا بقرب الطريق، والانتماء لا يُقاس بعرض الشارع.
لم يكن أبي يمتدح الفقر ولا الخطر ولا العزلة. كان يذكر كثافة الحياة الإنسانية: والديه قريبين، وجيرانًا معروفين، ومسجدًا إلى جوار البيت، ودربًا مغطى، وإحساسًا بأن القرية تضم أهلها داخل ستر واحد.
إعادة بناء بصرية تاريخية
كيف اختفت السقوف
يحسب بعض من ينظر إلى الخرائب أن انكشافها للسماء جزء من صورتها الأصلية. وليس الأمر كذلك.
حين بدأ بناء القرية الجديدة، كانت بعض الأسر لا تملك الكثير، وكان الخشب ثمينًا. فنزع بعض السكان عوارض السقوف من بيوتهم القديمة، وحملوها إلى البيوت التي كانت ترتفع في الجهة الأخرى من الوادي.
ولأن البيوت كانت متصلة، كان انتزاع سقف واحد يضعف أحيانًا ما يجاوره. ثم بقيت الجدران عارية للمطر والزمن والهواء، فصار ما أنقذ بيتًا جديدًا سببًا في تعجيل سقوط بيت قديم.
ولذلك لم يُترك القصر القديم كلّه وراءهم. عبر شيء منه الوادي.
إعادة بناء بصرية تاريخية
وكان الوادي يصير جدارًا
كان القصر القديم بعيدًا عن الطريق. فإذا فاض الوادي انقطع العبور، وبقي السكان محاصرين بعيدًا عن المسلك الذي يصلهم بما وراء الوادي.
ويذكر أبي أنه عجز مرةً عن العودة وقتًا طويلًا، لأن الماء جعل المرور مستحيلًا.
وعرفت المنطقة كذلك فيضانًا كبيرًا هدم بيوتًا في قرى مجاورة وأصاب الأراضي المزروعة. ثم جاء لاحقًا بناء سدّ الرشيدية.
لم يكن الرحيل نتيجة حادثة واحدة. كان البعد، والعزلة، والفيضانات، ومتطلبات حياة تتغيّر، تتراكم جميعًا حتى صار البقاء أصعب من أن يستمر على صورته القديمة.
لم يكن السؤال الأول: كيف نرحل؟
بل: كيف نبقى نحن، ولو تغيّر المكان؟
فالقرية لا تُنقل بأن تُرفع جدرانها. عليها أن تحمل معها صلات الناس، وكلمة الجماعة، والعمل والصلاة والذاكرة، وأن تبلغ ذلك الاتفاق الصعب بين أسر كثيرة.
كان القصر القديم قد آوى أجيالًا. لكن الطريق ظل بعيدًا، وكان الوادي قادرًا في لحظة على تحويل الجغرافيا إلى حبس. وما اعتاد الناس احتماله بدأ يشير، شيئًا فشيئًا، إلى مستقبل آخر.
ولم يمح القرار المحبة. استطاع أبي أن يفهم لماذا انتقلت القرية، وأن يظلّ، في الوقت نفسه، مفضّلًا المكان الذي تركته وراءها.
قبل أن تعبر القرية الوادي، كان عليها أن تتخيّل أن البيت يستطيع أن يولد مرّة أخرى في الضفة المقابلة.
ستختار الجماعة. وستبني الأسر. وسيظل القصر القديم مأهولًا فيما ترتفع البيوت الجديدة ببطء.
الجزء الثاني · أن نبني من جديد