حصن الذكريات/الفصل الثاني

البيت الذي
احتضن طفولتنا

من الشارع، لم يكن يبدو أكثر من جدار طويل من التراب وبابين بلون أخضر شاحب. أمّا خلفهما، فكان عالم كامل يتنفّس.

The House That Held Us
ادخل البيت
٠٢

لا يختفي البيت حين تتغيّر جدرانه. يختفي فقط حين لا يبقى أحد يتذكّر ما كان يعنيه كل باب.

بيت عائلي في قصر مسكي · تافيلالت، المغرب

لم يكن بيتنا يشرح نفسه لمن يمرّ أمامه. كان يعرض على الطريق واجهة طويلة من التراب، وبعض النوافذ الصغيرة، وبابين أخضرين شاحبين تفصل بينهما مسافة. وكان يمكن لغريب أن يعبر من هناك من غير أن يتخيّل الغرف المختبئة وراء الجدار، ولا الأصوات، ولا الحيوانات، ولا المؤونة المحفوظة، ولا الأطفال النائمين على الأرض، ولا تلك الساحة الصغيرة المفتوحة التي كان يدخل منها السماء إلى قلب البيت.

كان الباب الأول للصالون الكبير. منه يدخل الرجال عادة في الولائم الكبرى، وفي جلسات القرآن والشاي واستقبال الضيوف. أمّا الباب الثاني، فكان باب الحياة اليومية: تعبر منه العائلة، والأطفال، والجيران، والوجوه المألوفة. ومن عتبته كان يبدأ البيت كما عرفناه نحن.

لم أكن أفهم هذه الهندسة وأنا طفل. لم أكن أعرف معنى الفصل بين فضاء الضيافة وفضاء العائلة، ولا معنى الخصوصية أو ترتيب البيت. كنت أعرف فقط أن لكل باب إحساساً مختلفاً، وأن الدخول من أحدهما ليس كالدخول من الآخر.

واجهة البيت الترابية الطويلة وباباه الأخضران
الجدار الطويل

بابان،
وعالمان

كان الباب القريب من الصالون الكبير يفتح مباشرة على عالم الضيوف. في أيام الولائم، كان الرجال يدخلون منه من غير أن يعبروا قلب البيت العائلي. كان للضيافة طريقها الخاص، كما كان للألفة طريقها.

وعلى امتداد الواجهة، كان باب العائلة يفضي إلى إيقاع آخر: الصالون الصغير، والسارية، وغرف النوم، والمطبخ، وبيت الخزين، والحيوانات، والممرات المؤدية إلى السطح.

لم نكن نحتاج إلى لافتات. كان الجميع يعرف أيّ باب يليق بأيّ لحظة.

خريطة رسمتها الذاكرة

كان البيت أطول ممّا توحي به واجهته

كانت الغرف تتوالى وراء الجدار البسيط، غرفة بعد أخرى. بالقرب من الطريق كانت أماكن الاستقبال، وكلما توغلنا في الداخل وصلنا إلى فضاءات العائلة والتخزين والطبخ والنوم والعمل. وفي آخر البيت كانت الحيوانات والمرآب.

لم يُبنَ البيت ليُدهش أحداً. لكل جزء وظيفة. السطح يجفف الطعام، وبيت الخزين يحفظ المؤونة، والسارية تدخل الضوء، والبئر تجمع الجيران، والصالون الكبير يستقبل القرية، أمّا الغرف الأصغر فكانت تحتضننا نحن.

مخطط البيت كما بقي في الذاكرة
ليست خريطة مهندس، بل جغرافيا ما زالت قائمة في داخلي.
عند باب العائلة

قُلّة الماء

إلى جانب باب العائلة كانت تقف قُلّة كبيرة من الفخار، مملوءة بماء الشرب. وبقربها إناء صغير نغترف به. كانت القُلّة مغطاة بقماش نبلله بعد أن نشرب، فيبقى الماء بارداً بفضل تبخّر الرطوبة من حولها.

لم نكن نسمي ذلك علماً ولا تقنية. لم نكن نشرح ما يحدث. كنا نعرف فقط أن الماء في تلك القُلّة أبرد، وألين، وأكثر حياة من الماء المحفوظ في أي وعاء حديث.

أول ما كان يستقبل الداخل من باب العائلة لم يكن زينة، بل ماء.

السارية، الفضاء المفتوح على السماء في قلب البيت
١الغرفة التي كان سقفها السماء

السارية

كنا نسمي الفضاء المركزي المفتوح السارية. لم تكن مجرد فناء، بل كانت غرفة بلا سقف، يدخل منها النهار إلى البيت ويعبر منها الهواء وتنتقل عبرها الأصوات.

كانت الأبواب والنوافذ الداخلية الصغيرة تنفتح عليها، فتصل بين غرف كان يمكن أن تبقى غارقة في العتمة لولاها. وكان البيت كله يبدو كأنه يلتف حول هذا المربع من الضوء.

في بعض الأمسيات كنا نجلس بمحاذاتها، والسماء فوقنا. كانت السارية تمنح كل غرفة نصيباً صغيراً من الخارج، من غير أن تخرج العائلة من بيتها.

لم تكن السارية تفصل الغرف عن بعضها، بل كانت تجعلها تتنفس معاً.

٢غرفة يصعب على الترجمة أن تستوعب اسمها

بيت الخزين

كانت في البيت غرفة نسميها بيت الخزين. قد تُترجم إلى مخزن أو غرفة مؤونة، وربما إلى «الغرفة التي تُخبأ فيها الأشياء»، لكن أياً من هذه الكلمات لا يحمل معناها الكامل كما كان في بيتنا.

لم يكن مفتاحها يعرف يداً غير يد جدتي.

وراء ذلك الباب كانت الأشياء التي يحتاج إليها البيت، والأشياء الصغيرة التي يشتهيها الأطفال: البيض، والسمن، والزمّيتة، والشاي، والقهوة، وسائر المؤونة. إذا أردنا شيئاً قصدنا جدتي. أحياناً توافق وتذهب لتفتح الباب، وأحياناً تقول ببساطة: «لم يبقَ منه شيء».

وكانت للغرفة رائحة لا تشبه أي مكان آخر: السمن والشاي والقهوة والحبوب والبيض والمكونات المجففة والطين، اختلطت على مرّ السنين حتى صنعت عطراً لا يمكن لأي مصنع أن يعيد خلقه.

أظن أنني كنت سأتعرف إلى بيت الخزين وأنا مغمض العينين.

بيت الخزين ومؤونة الأسرة التقليدية
أصغر الغرف كان له حارس، ومفتاح، ورائحة لا تتكرر.
حين كانت الغرف تغيّر وظيفتها

في الليل،
كانت الأرض فراشنا

لم تكن في البيت أسرّة مرتفعة. سواء نمنا في غرفة والدينا أو في الصالون العائلي، كانت الفرش تُعد مباشرة على الأرض. تُبسط الأغطية واللحف والوسائد عند الحاجة، ثم تُجمع من جديد حين يعود الصباح.

كان الأطفال ينامون جماعات، موزعين بحسب عدد الناس والمساحة المتاحة. كنا كثيرين، ومع ذلك لم تكن القربى تبدو ازدحاماً. كانت ببساطة الشكل الطبيعي للحياة داخل العائلة.

ما زلت أذكر ستارة برتقالية قديمة كنت أحب أن أحيط نفسي بها كأنها ناموسية من صنع الخيال. في الصباح كان الضوء يمر من خلالها، فيصبغ العالم كله بلون برتقالي هادئ. وفي غرفة والديّ بقي في ذاكرتي غطاء أبيض بخطوط حمراء حادة، ثابتاً مثل ملامح وجه.

لم يكن لكل واحد منا غرفة تخصه. كان لنا حضور بعضنا بعضاً.

٣قبل الكهرباء

كان الضوء يسير معنا

في الليل، لم يكن البيت يضاء دفعة واحدة. كانت الغرفة الرئيسية تستمد نورها أحياناً من قنينة غاز صغيرة يركب فوقها فتيل شبكي شديد الهشاشة. وحين يشتعل جيداً، يمنح ضوءاً صافياً تجتمع حوله العائلة.

وكانت لدينا أيضاً مصابيح نفطية قليلة. إذا احتاج أحد إلى عبور البيت أو دخول غرفة مظلمة أو الذهاب نحو الحيوانات، أخذ مصباحاً معه ثم أعاده بعد عودته. وكانت لكل غرفة من غرف الوالدين لمبتها الخاصة.

لذلك لم يكن الضوء مثبتاً في السقف أو الجدار. كان ينتقل في أيدي الناس. يختفي شخص في الممر حاملاً الشعلة، فتزداد الغرفة التي تركها وراءه ظلمة للحظات.

لم يكن البيت مضاءً كله قط. كان يضيء فقط حيث يوجد إنسان يعيش.

مصباح نفطي يُحمل عبر ممر مظلم في البيت
فوق الغرف

السطح

كان للسطح بابان، واحد عند كل طرف من أطراف البيت. وكان ذلك كافياً ليجعله في نظرنا طريقاً معلقة في السماء. كنا نركض من طرف إلى آخر، مع أن أهلنا لم يكونوا يحبون صعودنا إليه. هم كانوا يرون العلو والخطر، ونحن كنا نرى الحرية فقط.

لم نكن ننام هناك كثيراً، لكننا كنا نصعد إليه أحياناً كمن يصعد إلى ملجأ. من فوق، كانت القرية تنفتح من حولنا. نرى الدخان يصعد من البيوت، ونسمع المحركات ومضخات الري تعبر أصواتها فوق النخيل، وننظر بعيداً نحو الجهة الأخرى من الوادي.

وكان السطح يؤدي عملاً أساسياً للبيت: تُفرش التمور على القماش لتجف، ويُنشر القمح بعد غسله، وقد تُعلّق قطع اللحم في الهواء. المكان الذي بدا لنا فضاء للهروب كان في نظر الكبار غرفة أخرى من غرف العمل والحفظ.

كان السطح لمؤونة الكبار، وكان أيضاً لحرية الصغار.

فضاء الحيوانات في مؤخرة البيت
٤في آخر البيت

كانت الحيوانات من أهل الدار

قبل المرآب كان باب يفضي إلى مكان الحيوانات. بقرة أو بقرتان للحليب، وحمار، ودجاج للبيض، وبعض الأغنام، وما يصاحب المزرعة العائلية الصغيرة من فوضى نافعة.

وبالقرب منها كان المرحاض في غرفة مرتفعة قليلاً عن الأرض المحيطة. لم يكن البيت يخفي وظائفه وراء الزينة. النوم والطبخ والاستقبال والتخزين والعمل وتربية الحيوانات كلها كانت تسكن الجسد الطويل نفسه.

لم تكن الحيوانات فرجة للأطفال القادمين من المدن، بل جزءاً من اقتصاد البيت. منها يأتي الحليب والبيض والنقل واللحم والعمل.

أمام الباب، وتحت الأرض

البئر الذي حفره جدي

كان أمام البيت بئر. بقي في ذاكرتي طويلاً أن جدي، أو ربما أحد أجدادي قبله، هو الذي حفره. ولم أرد أن أحوّل الظن إلى حقيقة قبل أن أسأل من جديد.

أكد لي والداي أن جدي هو الذي حفر البئر. وكان أبي ما يزال صغيراً، يشارك بالقدر الذي يستطيع عليه طفل، فيحمل إليه عتلات الحديد التي كان يحتاجها.

لم يكن البئر لبيتنا وحده. كان الجيران يأتون من البيوت القريبة ليملؤوا أوعيتهم. يصلون فيتبادلون السلام، ثم يبقون قليلاً للكلام والضحك قبل أن يعودوا إلى بيوتهم.

لا أذكر خصاماً حول ذلك البئر. في ذاكرة طفولتي، كان الماء يجمع الناس على الطيب وحسن المزاج.

البئر الذي حفره الجد أمام البيت
فتح جدي الأرض، وحوّل الجيران المكان إلى موعد يومي.
صورتان فقط بقيتا

جدي

لا أملك عنه ذكريات كثيرة مباشرة. أول ما يعود إليّ هو دراجة نارية قديمة. لا أعرف إلى أين كان يذهب بها، ولا كم مرة رأيته يقودها، ولا إن كانت الذاكرة قد حفظت التفاصيل كما كانت. لكن الدراجة والرجل بقيا ملتصقين في داخلي.

أمّا الصورة الثانية فأقسى. كنت صغيراً جداً. رأيت أبي واقفاً أمام البيت قرب الباب، يبكي بعد موت أبيه. لا أذكر حديثاً كاملاً، ولا تسلسل الأحداث. بقي الباب، وأبي، ودموعه.

لا تحفظ الذاكرة حياة كاملة دائماً. أحياناً تحفظ دراجة قديمة، وباباً من تراب، وابناً يبكي أباه.

ما الذي علّمني إياه البيت

لا تُقاس الدار بعدد غرفها

كان بيتنا مصنوعاً من التراب والخشب والقماش والطين واللهب والذاكرة. لم تكن فيه كهرباء، وكنا ننام على الأرض. كان الماء يبرد بقطعة قماش مبللة، وكانت المؤونة تحفظ خلف باب مقفل، وكان الضوء ينتقل من غرفة إلى أخرى في أيدينا.

ومع ذلك، لا شيء في ذاكرتي يصف فقراً في الروح. كان البيت ممتلئاً بالنظام والضحك والضيافة والعمل والقرب. كل مساحة فيه وُجدت من أجل الآخرين.

تغيّرت الواجهة اليوم، وتبدلت بعض الغرف، وامتلأ الصالون الكبير بالأشياء والزوار. لكن البيت القديم ما زال حياً في داخل من عرف معنى كل باب، وكل رائحة، وكل ظل، وكل ممر.

لا أعيد بناء البيت لأن جدرانه اختفت.
أعيد بناءه لأن الحياة التي سكنت داخله لا تستحق أن تختفي.

Shopping Cart
"The walls of Ksar Meski protected its people. These pages protect their memory."
Scroll to Top