حصن الذكريات/الفصل الثالث · الجزء الأول

الجزء الأول · الطريق عبر الواحة

الحمار
والقصر القديم

قبل أن نبلغ الخرائب، كانت هناك نخيل ومياه وثمار وضحكات، وكانت ساعة واحدة في أقدام الأطفال تبدو كأنها عمر كامل.

The Donkey and the Old Ksar
ابدأ الرحلة
٠٣

ربما لم يكن الطريق في نظر الكبار سوى نزهة طويلة. أمّا في عيوننا، فكان بلاداً كاملة نعبرها على أقدامنا.

الجزء الأول · رحلة طفولة عبر واحة قصر مسكي

كان القصر القديم يبدو أقرب بكثير مما هو عليه في الحقيقة.

من القرية الجديدة، كان القصر القديم يلوح قريباً، كأن الوصول إليه لا يحتاج إلا إلى بعض الخطوات. كان يرتفع وراء الواحة، بلون الأرض نفسها، وتظهر جدرانه فوق النخيل من أماكن كثيرة. لكن المسافة كانت تخدع العين. فما يبدو قريباً للرائي كان بعيداً على أقدام الأطفال، وقد يستغرق الوصول إليه أكثر من ساعة، وأحياناً أطول، بحسب ما تصادفنا به الطريق.

لم نكن نسير في خط مستقيم. فالطفل لا يعبر الواحة كما يعبر الرجل طريقاً معبداً. كنا نتبع الماء والثمار والأصوات والفضول. يختفي ممر تحت النخيل، وينعطف آخر بمحاذاة أرض مزروعة، وينزل ثالث نحو الوادي. وكل التفاف كان جزءاً من الرحلة، لا تأخيراً عنها.

كنا عدداً من الأطفال، ومعنا حمار رمادي. أحياناً يركب واحد منا ويمشي الباقون إلى جانبه، وأحياناً نمشي جميعاً ونمسك حبله. كان صبوراً على ضجيجنا وعلى قراراتنا المتبدلة. وربما كنا نظن أننا نقوده، مع أنه كان يعرف كثيراً من تلك الممرات أفضل منا.

الجزء الأول

الطريق عبر الواحة

قبل الخرائب، كان كل شيء حيّاً.

أطفال يمشون مع حمار رمادي في ممر ضيق داخل الواحة
تحت النخيل

الممرات كانت تعرف عائلاتنا

لم تكن الواحة فراغاً أخضر. كانت عالماً من البساتين والسواقي والحقول والأشجار التي نعرف أصحابها. في أرض ينمو الذرة، وفي أخرى خوخ وتين ورمان ولوز، وفوق الجميع نخيل يحمل التمر.

كنا نعرف ما يخص عائلتنا وما يخص الآخرين. إذا كانت الثمرة من أرضنا أكلنا، وإذا كانت لغيرنا تركناها. لم نكن نحتاج إلى لوحة أو سياج. كانت القاعدة تسكن فينا قبل أن يشرحها أحد.

في مواسمها، كنا نقطف الخوخ، ونفتح الرمان، ونأكل التين وقد سخنته الشمس. نلتقط التمر الساقط، ونأكل أحياناً البلح الأصفر قبل اكتمال نضجه. كان الطفل في الواحة يتعلم الفصول من الطعم.

كانت الأرض تطعمنا، لكنها كانت تعلمنا أيضاً معنى الملك، ومعنى الأمانة.

صورة عائلية قديمة لشبان يجلسون بين نباتات الواحة
أرشيف العائلة · قصر مسكي

كانت الواحة أيضاً مكاناً للجلوس

التُقطت هذه الصورة بعد زمن الرحلة التي أرويها، لكنها تنتمي إلى العالم نفسه: الجلوس مباشرة بين النباتات، بلا مقعد، وبلا طاولة، ومن غير أن نطلب من الطبيعة أن تتغير من أجلنا.

كان الكبار يرافقوننا أحياناً. وجودهم لم ينتقص من المغامرة، بل كان يوسّع حولها دائرة الأمان.

كانت القرية أوسع من بيوتها

كنا نشعر بالأمان لأن الواحة كانت مليئة بأناس يعرفوننا. رجال يعملون في حقولهم، وآخرون يعودون من جمع الحطب أو العشب. بعضهم يمشي إلى جانب حمار محمل بحزم خضراء كبيرة، وبعضهم يحمل خشباً يبدو في أعيننا أثقل من الحيوان نفسه.

كل لقاء يبدأ بالسلام. كلمات قليلة، سؤال عن الأهل، ابتسامة، وربما دعابة، ثم يمضي كل واحد في طريقه. كنا بعيدين عن البيت، لكننا لم نكن خارج نظر القرية.

تلك كانت حريتنا. لم تأتِ من كوننا غير مرئيين، بل من كوننا معروفين.

فلاحون يعودون عبر الواحة وحميرهم محملة بالعشب والحطب
لم نشعر أننا ضائعون قط، لأن كل ممر تقريباً كان ينتمي إلى شخص يعرف عائلتنا.
عند الماء

النساء على ضفة الوادي

قرب الوادي، كانت بعض النساء يغسلن الثياب والزّرابي. يتشرب القماش الماء فيغمق لونه، ثم يعيده ضوء الشمس إلى الحياة. كانت الأيدي تعمل، بينما تعبر الأصوات فوق مجرى الوادي.

كنا نمر من هناك من غير أن نرى في المشهد شيئاً استثنائياً. كان جزءاً من اليوم، مثل الحقول والحمير والممرات. ولم أفهم إلا بعد سنوات أن ما كان عادياً بالنسبة إلينا كان طريقة كاملة في العيش.

قاع الوادي المملوء بالحصى الرمادي البيضاوي والماء الضحل

لم يكن الوادي من الرمل

لم يكن الوادي صحراء رملية. كان قاعه مليئاً بالصخر والحصى الرمادي الناعم، كثير منه بيضاوي صقلته المياه. حين يقطع الماء طريقنا، نرفع سراويلنا ونعبر على أقدامنا. وأحياناً يعبر أحدنا فوق الحمار.

كنا نقوده إلى الماء أحياناً ليشرب. يخفض رأسه، ويسترخي الحبل في أيدينا، ويتحرك التيار بين الحجارة.

أما الحصى المسطح، فكان يتحول إلى لعبة. نرميه مائلاً ونعد القفزات الصغيرة فوق سطح الماء. وكان رمية جميلة كفيلة بأن تؤخر الرحلة كلها. فالقصر القديم كان وجهتنا، لكن الطفولة لا تسمح للوجهة أن تصبح أهم من لعبة اكتشفناها في الطريق.

حمار رمادي يشرب من الوادي والأطفال يمسكون حبله
استراحة عند العبور

الحمار الرمادي المسكين

كان يحملنا حين نتعب، وينتظرنا ونحن نلعب، ويشرب فقط حين نتذكر نحن أنه عطشان أيضاً.

بقي في ذاكرتي صبوراً، رمادياً، ومتعباً قليلاً من حريتنا.

معلم لا يريد أن يقترب

كان القصر القديم يرافقنا في أغلب الطريق. يظهر مباشرة أمامنا من ممر، ويرتفع فوق صف من النخيل من ممر آخر. ولأننا نراه، كنا نظن أننا أوشكنا على الوصول.

لكنه لم يكن يقترب بالسرعة التي تتوقعها أعين الأطفال.

وحين نتوغل في قلب غابة النخيل، يختفي القصر تماماً. فلا يبقى إلا النبات والماء والأرض المزروعة والممر الضيق تحت أقدامنا.

ثم تنفتح الواحة من جديد، ويعود القصر إلى الظهور.

ثم انفتحت النخيل، وعادت الوجهة إلى الظهور.

نهاية الجزء الأول

بعد آخر النخيل،
ظهر القصر القديم من جديد.

كان الضوء هو نفسه. أمّا الإحساس، فكان على وشك أن يتغير.

تابع إلى الجزء الثاني
Shopping Cart
"The walls of Ksar Meski protected its people. These pages protect their memory."
Scroll to Top