انتهت الواحة الحية تحت أقدامنا. وأمامنا لم يبقَ إلا الحجر والتراب المنهار وكل الحكايات التي سمعناها من الكبار.
ظل القصر القديم يتبعنا طوال الصباح، يظهر فوق النخيل ثم يختفي حين تغلق الواحة ممراتها حولنا. والآن صار أمامنا مباشرة. انتهت الرحلة عبر الواحة، ولم يبقَ إلا الصعود.
قدنا الحمار الرمادي إلى شجرة وربطنا حبله جيداً حتى لا يهرب. كان قد قطع الطريق الطويل معنا، وحملنا حين تعبنا، وشرب من الوادي. أمّا الصعود الأخير، فكان للأطفال وحدهم.
صعدنا على أقدامنا فوق الصخر والحجارة المتناثرة. خلفنا بقيت الواحة خضراء وحية. وأمامنا أخذت القرية المهجورة تكبر، ومع كل خطوة كانت حكايات البيت تعود معنا.
كلما اقتربنا، ازداد صمتي.
القصر الصامت
ظل الضوء كما هو. أمّا الإحساس فتبدل.
تركنا الحمار في الأسفل
لم يدخل الحمار معنا إلى الخرائب. ربطناه إلى شجرة حتى لا يبتعد، ثم تابعنا سيرنا على أقدامنا.
كان الاقتراب الأخير صخرياً. لم يكن هناك رمل ناعم، بل حجر في كل موضع. صعدنا نحو القرية المهجورة وتركنا خضرة الواحة الحية وراءنا.
هنا تغيّر إحساسي. لم أكن خائفاً في الممرات، ولا عند الوادي، ولا بين الحقول. لكن كلما اقتربت الخرائب، بدأت القصص التي سمعناها في البيت تمشي معنا.
عيشة قنديشة
والجن
كان الآباء والكبار يروون لنا قصص الكائنات الخفية، والجن، وعيشة قنديشة. لم تكن تلك الحكايات تخيفني في الواحة الحية، لكنها كانت تعود في الأماكن المهجورة.
لم يقل لنا أحد إن تلك المخلوقات تسكن القصر القديم. لكن الفراغ كان يترك لخيال الطفل مساحة كافية ليضعها هناك.
من بعيد، كان القصر جميلاً. أمّا في الداخل، فكان كل صمت يبدو كأنه يصغي.
الجمال في الخارج، والفراغ في الداخل
من القرية الجديدة، كان القصر القديم فاتناً. لونه من لون الأرض، وصورته المهدمة ترتفع فوق الواحة بجمال لا يشبه شيئاً حديثاً.
أمّا في الداخل، فكان الإحساس مختلفاً.
لا غرف عامرة، ولا أصوات عادية، ولا حياة عائلية خلف الأبواب. فراغ، وتراب ساقط، وأماكن مكسورة، وأنقاض. المكان الذي يبدو متماسكاً من بعيد كان يكشف جراحه حين ندخله.
لا أعرف إن كان الصمت هناك أثقل فعلاً، أم أن الخوف هو الذي جعله كذلك. كل ما أذكره أنني لم أكن مرتاحاً، ولم أرغب في البقاء طويلاً.
لحسن الحظ، لم أكن وحدي
كنا عدة أطفال، وهذا غيّر كل شيء. لو كنت وحدي، لا أظن أنني كنت سأدخل. مع الجماعة، صار الخوف حملاً نحمله من غير أن نسميه.
نظرنا، وتجولنا في جزء من الخرائب، وحققنا غاية الرحلة. لقد وصلنا إلى القصر القديم. وكان ذلك كافياً.
لم نبقَ لنثبت شجاعتنا. طريق العودة طويل، والوجهة أعطتنا ما جئنا من أجله.
عادت الحياة في الأسفل
ما إن نزلنا نحو الواحة حتى شعرت بالراحة. عادت الممرات حية. تحرك الماء. عمل الناس. وانتظرنا الحمار تحت الشجرة. أعادتنا الواحة إلى عالم نفهمه.
فككنا الحبل وبدأنا طريق العودة الطويل. لم يكن هناك سبب للتأخر. فقد استغرق الذهاب أكثر من ساعة، وأحياناً أطول بسبب الثمار والماء والفلاحين والحجارة وكل لعبة وجدناها في الطريق.
لم نكن نحتاج إلى ساعة تخبرنا أن العودة مهمة. كانت المسافة باقية، والحرارة باقية، وبعد قليل سيبدأ الجوع بالكلام.
كانت الرحلة دائماً أطول من الزيارة. ومع ذلك، فالرحلة هي التي بقيت في داخلي.
تحت الخرائب، عاد الماء إلى الحركة.
ما فهمته بعد سنوات
كنا نعتقد أننا نعبر الواحة لزيارة خرائب مهجورة. لم نفهم أن تلك الأزقة كانت يوماً مليئة بالعائلات، والوجبات، والولادات، والصلوات، والخصومات، وصباحات الحياة العادية.
وُلد أبي في ذلك القصر القديم. المكان الذي دخلته أنا طلباً للمغامرة كان جزءاً من طفولته الحقيقية.
هذا الفهم جاء لاحقاً. يومها كان القصر بالنسبة إليّ خوفاً وفتنة. أمّا الحكاية الأعمق — الرحيل، والمعاناة، والقبور والذكريات التي تُركت وراءهم، وإعادة بناء الحياة في القرية الجديدة — فلها فصل آخر.
لكن حقيقة واحدة تغيّر اليوم كل ما أتذكره من ذلك الطريق:
كنا نظن أننا نعبر الواحة لنزور الماضي.
وفي الحقيقة، كنا نمشي داخل طفولة آبائنا من غير أن نعرف.
ما الذي علّمتني إياه الرحلة
لم تكن الحرية غياب الآخرين
كنا أحراراً لأن الواحة تعرفنا، ولأن أهل القرية يعرفوننا، ولأن كل سلام يذكرنا أننا ننتمي إلى جماعة أوسع من بيتنا.
مشينا بعيداً، وعبرنا الماء، ولعبنا بين الحجارة، ودخلنا مكاناً أخافنا. ومع ذلك ظل اليوم محمولاً على ممرات مألوفة، وعائلات معروفة، ويقين أن البيت ينتظر في النهاية.
لم يكن هناك هاتف يتبعنا.
كانت القرية هي التي تفعل.