حصن الذكريات/الفصل الرابع

أصداء
الواحة

قبل أن أتذكّر الوجوه، أتذكّر الأصوات.

The Echoes of the Oasis
أنصت
٠٤

لم يكن قصر مسكي يستيقظ دفعةً واحدة. كان يعود إلى الحياة صوتاً بعد صوت.

مشهد صوتي من الطفولة · قصر مسكي، تافيلالت

كانت الواحة تسبقنا إلى الصباح.

لا تعود الذاكرة دائماً في صورة. أحياناً تصلنا إيقاعاً بعيداً، أو نداءً يعبر زقاقاً ضيقاً، أو صوت حيوان يسبق الفجر، أو ماءً ينساب خلف بئر. حين أفكر في قصر مسكي، لا أسمع أولاً حدثاً عظيماً، بل أسمع حياة القرية اليومية وهي تجمع نفسها حول الصباح.

كان القصر أهدأ في ذلك الزمن. محركات أقل، غرباء أقل، وبيوت أقل، ومساحات طويلة من النهار يستطيع فيها أصغر صوت أن يسافر من غير أن يقطعه شيء. كان النداء يبلغ أبعد، ونهيق الحمار يُسمع قبل أن يدخل الزقاق، وصوت السيارة يعلن وصولاً قبل أن تظهر.

لم يكن الصمت غياباً. كان فسحةً لا يعلو فيها صوت حتى يمحو ما سواه.

نبض الصباح

بوم... بوم... بوم...

في عمق النخيل، كانت مضخات الري تبدأ عملها. بعضها يدق بإيقاع ثقيل وبطيء:

بوم... بوم... بوم...

وبعضها يرتجف أسرع:

تررر... تررر... تررر...

لعلها كانت مضخات ديزل. لم أكن أعرف لأي فلاح تنتمي كل واحدة، ولا أي أرض كانت تشرب منها. المسافة والصدى كانا يغيران الصوت. واحدة تأتي من اليسار، وأخرى من خلف النخيل، وثالثة كأنها ترد من الجهة المقابلة.

كانت تعمل طوال الصباح، وأحياناً معظم النهار، بحسب حاجة الأرض وعمل الفلاح. لكننا كنا نسمعها أوضح في الساعات الأولى، حين يكون القصر ما يزال هادئاً.

لم يكن ضجيجها يزعجني. كان كأن الواحة تتنفس.

أصوات الفجر الأولى

كانت الديكة تبدأ مبكراً جداً، قبل أن تقرر القرية أن تنهض. وكانت الحمير تنادي في الساعة نفسها، تشق سكون الفجر من غير أن تبالي بمن لا يزال نائماً.

وإلى اليوم، يعيدني ذلك الصوت أسرع من أي صورة. يكفي أن ينهق حمار عند الفجر حتى تختفي الطريق التي أقف عليها، وتعود تحت قدمي أزقة قصر مسكي.

أما الطيور، فلها ساعة أخرى في ذاكرتي. أسمعها أكثر في المساء، مختبئة بين الأشجار، تتحدث في أعالي النخيل حين تبدأ الحرارة بالانحسار.

ديك في زرقة ما قبل الفجر قرب جدار ترابي
قبل الشروق

الديكة

لم تكن تنتظر القرية. كانت تعلن الصباح قبل أن يولد.

حمار رمادي في زقاق ترابي هادئ عند الفجر
الصوت الذي بقي

الحمير

نداء واحد عند الفجر، فيعود الطفل قبل أن يستطيع الرجل منعه.

طيور مختبئة بين سعف النخيل عند المساء
على حافة المساء

الطيور

أتذكرها في الأشجار، حين يبدأ النهار باللين.

بائع طماطم جوال يعبر زقاقاً هادئاً في قصر مسكي
صوت في الزقاق

وا ها لمطيشة

أحياناً كان بائع جوال يعبر الأزقة منادياً على بضاعته. وللطماطم كانت العبارة تتكرر بلا انقطاع:

وا ها لمطيشة... وا ها لمطيشة...

كانت الكلمات تصبح إيقاعاً قبل أن تصبح معنى. نسمع البائع قبل أن نراه. وصوته يتنقل بين الجدران، يعلن الطماطم، ويعلن أيضاً أن أحداً يعبر القرية.

في مكان يسافر فيه الصوت بحرية، كان نداء بسيط يكفي ليمنح صباحاً كاملاً هويته.

قلب الزقاق الاجتماعي

البئر لم تكن تمنح الماء وحده

كانت البئر أمام البيت، قرب أحد المسالك المنحدرة نحو الواحة. يأتي الناس باستمرار ليستقوا ماء الشرب أو يملؤوا أوعيتهم.

يتبادلون السلام، ويتحدثون، ويضحكون، ويتناقلون الأخبار، ويبقون قليلاً أكثر مما تفرضه الحاجة. نساء يتكلمن، وأطفال يراقبون المارة، ورجال يتوقفون في طريقهم إلى الحقول. حوافر تعبر، ودلاء تتحرك، وماء ينسكب.

خلف البئر، كان الماء الفائض ينحدر على السفح الصخري. ولأن الناس كانوا يسحبون الماء باستمرار، كانت الضفادع تبقى أحياناً قريبة. نراها حول البئر، ونجدها أيضاً بمحاذاة السواقي أثناء المشي.

لم تكن البئر معلماً. كانت حديث القرية وقد صار مرئياً.

بعد الغروب

تبدأ الضفادع حين يهدأ النهار

في المساء، حين نجلس أمام البيت، كانت نداءاتها ترتفع من الأماكن الرطبة قرب البئر ومن السواقي.

في النهار، كنا نراها أحياناً عند مجاري الماء. أما في الليل، فتصبح صوتاً أكثر منها مخلوقاً: نداءات صغيرة تتكرر في الظلام، قريبة من الماء.

ضفادع قرب ساقية عند المساء

وحين يحل الليل، تقترب الكلاب.

خلف آخر الأبواب

كلاب الليل

في النهار، تكاد لا تكون لها صورة في ذاكرتي. لكن بعد الظلام، كانت الكلاب الضالة تقترب من القصر قادمة من الجروف والأراضي المحيطة.

يستمر نباحها طوال الليل. واحدة تنادي، وأخرى ترد من مكان أبعد، والصوت يعبر مساحات لا نراها.

كنا نعرف فقط أنها قد تكون خطرة. كانت تنتمي إلى الليل خارج الجدران، بينما تبقى العائلة داخل حماية الأبواب والبيوت والمصابيح المألوفة.

أصوات بين النخيل

في الواحة، كان الناس ينادون بعضهم عبر الأراضي المزروعة: اسم، سؤال، جواب قصير. وكانت الجبال والنخيل تمنح الصوت امتداداً غريباً.

لم نكن نفهم الكلمات دائماً. كنا نعرف فقط أن أحداً موجود هناك: رجل يعمل، وآخر يرد، وأصوات بشر في أماكن تخفيها الأشجار.

في البيت، كانت النساء والأطفال يتحدثون طوال النهار. وفي الخارج، يجلس الأطفال من مختلف الأعمار قرب الأبواب، يراقبون المارة، ويلعبون في الرمل، أو يركضون في الزقاق.

لم تكن الألعاب كثيرة، لكن الحياة لم تكن قليلة.

كان الطفل في الثالثة أو الرابعة أو العاشرة يستطيع أن يكون خارج البيت من غير الخوف الدائم من ضياعه. بدت القرية متماسكة إلى حد أن كل باب، وكل عابر، وكل جار، كان يمد حدود العائلة إلى خارج البيت.

لم يتبعنا هاتف. ومع ذلك، نادراً ما كنا خارج معرفة أحد.

حتى وقع حوافر الحمير في الأزقة الترابية كان جزءاً من ذلك الأمان. قبل أن يظهر الحيوان، نعرف غالباً أن أحداً قادم.

محرك نادر

لم نكن نركض من أجل السيارة

كانت السيارات والدراجات النارية نادرة. وحين يقترب محرك، نسمعه من بعيد.

ينتبه طفل، ثم ينتبه آخر. تفتح الأبواب، وترتفع الرؤوس، وفي لحظات نكون جميعاً نركض لنرى.

لكن الآلة نفسها لم تكن ما يهم. كنا نريد أن نعرف من وصل: قريب؟ زائر؟ شخص عاد إلى أهله؟

لم نركض لنعجب بالسيارة.
ركضنا لأن أحداً كان قادماً.

أطفال يركضون نحو سيارة نادرة وصلت إلى قصر مسكي
مطر نادر

كان للمطر رائحة قبل أن يكون له صوت

حين يهطل المطر، يخرج الناس. وتطلق الأرض الحمراء رائحة لا تعود إلا في تلك اللحظات القليلة. ثم يأتي الطين، في كل مكان، يلتصق بالممرات والأقدام.

ريح محملة بالغبار تعبر زقاقاً ترابياً بينما تُغلق الأبواب
حين تهب الريح

كان الجميع يغلق الأبواب

لم تكن الريح شاعرة دائماً. حين تشتد، يدخل الغبار والرمل إلى البيوت.

يدخل الناس ويغلقون الأبواب، وتتراجع القرية التي كانت تعيش في الشارع إلى خلف جدرانها، حتى يصفو الهواء من جديد.

داخل البيت

كان الأطفال ينامون قبل أن ينتهي الحديث

بعد مغامرات النهار، كان الأطفال أول من يغلبه النوم. أحياناً ننام في الصالون بينما تستمر العائلة في الكلام من حولنا.

وفي ليالٍ أخرى، نذهب إلى مكان النوم ونتحدث همساً، حتى تقصر الجمل، ويكملها النوم عنا.

لم يكن البيت يصمت دفعة واحدة. تبقى أصوات الكبار قليلاً، محفوظة في الضوء الضعيف لقنينة الغاز ومصابيح النفط.

ما الذي بقي اليوم

لم تختفِ الأصوات القديمة تماماً. بقي منها ربما عشرون في المئة مما كانت عليه.

تغيّر القصر. صار فيه سكان أكثر، ومنهم كثيرون لم يكونوا من قرية طفولتي. ضعُف الهدوء القديم، ودخلت محركات حديثة، وعادات جديدة، وإيقاع مختلف.

حتى المضخات تغيرت. بعضها أصبح شمسياً، يكاد لا يُسمع. وما كان يعلن عمل الأرض من بعيد صار يحدث في صمت.

حلّ التقدم كثيراً من المشكلات. لكنه، وهو يحلها، يمحو أحياناً الأصوات التي كان الطفل يعرف بها أن العالم من حوله حي.

هناك صوت واحد ما زال يفتح القرية كلها في داخلي.

إلى اليوم، يكفي أن أسمع نهيق حمار عند الفجر، حتى لا أعود في المكان الذي أقف فيه. أكون قد عدت إلى قصر مسكي.

ما الذي علّمتني إياه الواحة

كان للسعادة صوتها الخاص

لم يكن ذلك العالم كاملاً، ولم أكن أنا بطله. كنت فقط طفلاً واحداً يصغي من داخله.

المضخات، والحمير، والبائع، والضفادع، والكلاب، والحوافر، والأصوات عند البئر، ومحرك الزائر المفاجئ، كلها كانت تنتمي إلى مكان واحد حي.

أروي هذه الأصوات لأن قصر مسكي هو موضوع هذا الكتاب الحقيقي: مرةً مغامرتي، ومرةً أهله، ومرةً بيوته، ومرةً روائحه، ومرةً ليس أكثر من صدى يعود عبر الواحة.

ليست هذه حكاية حياتي.
بل حكاية المكان الذي منح حياتي معناها.

Shopping Cart
"The walls of Ksar Meski protected its people. These pages protect their memory."
Scroll to Top