معزيزتي
أول ما تعيده الذاكرة إليّ
ليس وجهها.
بل مكانها.
ما إن ندخل الصالون الصغير حتى نجدها إلى يمين الباب، جالسة قرب سينية الشاي الكبيرة. لم يكن أحد في البيت يحتاج إلى أن يسأل أين هي.
كنّا نناديها معزيزتي. امرأة بسيطة جميلة، نحيلة، لا تفارقها الثياب الطويلة ولا غطاء الرأس. كانت حنونة معنا نحن الأطفال، وتعرف كيف تضحكنا. وكانت تعرف أيضًا كيف تضع حدًّا للضجيج بنظرة أو بكلمات قليلة.
لم تكن طيبتها ضعفًا، ولم تكن شدّتها قسوة. اجتمعت فيها الصفتان من غير تناقض. نعرف أنها تحبنا، ونعرف كذلك أن لصبرها نهاية.
كانت امرأة مؤمنة. تخرج أحيانًا إلى المسجد، لكن أكثر أيامها كانت تدور داخل البيت. ولم يجعلها ذلك بعيدة عن الناس؛ بل كان الناس هم الذين يأتون إليها. عند موضعها قرب الباب، كانت حياة الأسرة تلتقي بحياة القرية.
إعادة بناء بصرية تستند إلى ذاكرة الأسرة
المكان الذي كنّا نتوقّع أن نجدها فيه
يدخل الأطفال، وتعبر النساء، ويصل الجيران، ويُصبّ الشاي، وتتبدّل الأحاديث من حولها. لم يحتج مكانها إلى أن يُحجز؛ كان معروفًا لها من تلقاء نفسه.
ما زلت أذكر الموضع بدقّة: ينفتح الباب، فتكون هناك على اليمين. كان وجودها واحدًا من تلك الأشياء التي يظنّ الطفل أنها ستبقى إلى الأبد.
كنّا نعتقد أن الغرفة تحفظ من يجلس فيها. ولم نكن نعرف بعد أن الإنسان هو الذي يمنح الغرفة حياتها.
الشاي والقهوة،
والرائحة التي تسبق الفنجان
كانت تعدّ الشاي بنفسها، وتصنع قهوة بالتوابل. لم أرَ يومًا ما الذي كانت تضعه فيها بالضبط. الذي بقي عندي هو الرائحة: تصل أولًا، ثم يأتي الطعم كأنه لا ينتمي إلا إليها.
شربت قهوة طيبة في أماكن كثيرة، ولم تُعِد إليّ قهوتها. لعلّ ما ينقص لم يكن مختبئًا في علبة التوابل. لعلّه كان الغرفة، والسينية، واليد التي تقدّم، والاطمئنان إلى أنها ما تزال هناك.
كان البيت يأتي إليها
لم تكن جدّتي تحتاج إلى أن تتحرّك باستمرار حتى تبقى في قلب الأشياء. كان كثير من الحركة يأتي نحوها: زائر يدخل، طفل يعود، امرأة تجلس، وشاي يجمع من لديه كلام ومن جاء فقط ليأنس بالمكان.
كان لها غرفتها الخاصة التي تنام فيها، لكن صورتها الأوضح عندي بقيت في الصالون الصغير. الغرفة للنوم والخصوصية، أمّا موضعها قرب الباب فكان لحياة البيت.
من هناك تستقبل، وتصغي، وتضحك، وترفض، وتصحّح، وتقرّر. لم يكن في المشهد شيء فخم. ولم نرَ قيمته كاملة إلا حين بقي الركن وغابت المرأة التي أعطته معناه.
قبل أن يصير القمح دقيقًا،
مرّ من صبرها
جاء القمح من أرض العائلة. وقبل أن يصير كسكسًا أو حساءً أو خبزًا، مرّ بالماء، والشمس، والأيدي، والقماش، والحجر، والوقت.
إعادة بناء بصرية تاريخية
يُغسل أمام البيت
تغسله النساء في الخارج، حيث يلتقي الماء والعمل والحديث على الأرض نفسها.
إعادة بناء بصرية تاريخية
يجفّ فوق السطح
يستقبله السطح كما يستقبل التمر والمؤونة: تحت السماء المفتوحة وشمس الجنوب.
إعادة بناء بصرية تاريخية
تُنقّيه في الساريّة
تفرش أمامها ثوبًا كبيرًا في وسط البيت المكشوف، ثم تفرز الحبوب بيديها.
إعادة بناء بصرية تستند إلى شهادة الأسرة
حجر فوق حجر
تجلس على الأرض في الساريّة أمام رحى قديمة: حجران دائريان، فتحة في الوسط، ومقبض تديره اليد.
كنت أراقبها. لم أساعدها. يستفيد الطفل من تعب الآخرين من غير أن يعرف وزن ما يفعلونه من أجله. وبقي عندي الصوت: احتكاك الحجرين، ودورانهما، وعودتهما في الدائرة نفسها، حتى تتحوّل الحبة إلى دقيق.
كانت نساء البيت الأخريات يستعملن الدقيق في الكسكس، والحساء، وخبز الدار. لم تكن جدّتي تحتاج إلى إعداد كل طبق حتى تكون حاضرة في الطعام؛ كان عملها قد دخل إليه من قبل.
أحمر وأسود وأبيض،
وقليل من الأخضر
كانت تنسج الزرابي وحدها أمام باب غرفتها. لا أذكر كل الرسوم، لكنني أذكر الألوان: الأحمر، والأسود، والأبيض، وقليلًا من الأخضر.
كان النسيج ينتمي إلى عتبة غرفتها، كما ينتمي القمح إلى الساريّة، وينتمي الشاي إلى الصالون الصغير. كأن حياتها توزّعت بين أمكنة وحركات تتكرّر.
لم تقل يومًا إنها تحفظ التراث. كانت تفعل ما تعرفه فحسب. فالتقاليد تبدو عادية جدًّا ما دامت حيّة بين الأيدي.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
اللبن
كانت تحضّر اللبن في جلد الماعز. تختلف الحركة عن حركة الرحى، لكنها تنتمي إلى العالم نفسه: يد تكرّر فعلها حتى يتغيّر الحليب.
كان للبيت أصواته: الرحى، والمنسج، وكؤوس الشاي، والجلد وهو يتحرّك لصنع اللبن. لم يسجّلها أحد، ومع ذلك ما تزال جزءًا من البيت الذي أسمعه في ذاكرتي.
ليست كل الذكريات مطالبة بالحزن
حين أبحث عن ذكرى تخصّها وتخصّني وحدنا، تأتي الزميطة، وأضحك.
لا أحتاج إلى تكبير الحكاية ولا إلى تحويلها إلى حكمة. بعض ذكريات العائلة تحفظ صدقها في الابتسامة التي تعود مع كلمة واحدة.
إيمان لا يحتاج إلى استعراض
كان إيمانها جزءًا من حياتها، لا زينة تُضاف إليها. تذهب إلى المسجد، ثم تعود إلى البيت حيث لا تنفصل العبادة عن العمل، ولا المسؤولية عن الأسرة.
لا أذكر خطبًا ولا كلمات كبيرة. أذكر امرأة تؤمن، وتحفظ مكانها، وتستقبل الناس، وتكون حنونة وحازمة من غير أن ترى تناقضًا بين الأمرين.
إعادة بناء بصرية تاريخية
ما الذي كنت سأطلبه منها اليوم؟
لا أتمنّى لو أنني سألتها عن وصفة سرّية، أو تاريخ من تواريخ العائلة، أو جملة كاملة تشرح لي الماضي.
أتمنّى فقط لو جلست معها أكثر. لو أطلت الحديث. حين نكون صغارًا، نظنّ أن كأس شاي أخرى ستأتي دائمًا، وأن فنجان قهوة آخر ينتظرنا، وأن الغرفة نفسها ستبقى بعد الظهر كما عرفناها.
أفتقد شايها. وأفتقد قهوتها. لكنهما ليسا إلا طريقين إلى الحقيقة الأعمق: أنا أفتقدها هي.
إعادة بناء بصرية للمكان كما بقي في الذاكرة
لم يعد البيت يجمعنا بالطريقة نفسها
منذ غابت، بقي شعور بالفراغ. لم تعد العلاقات كما كانت، ومضى كل واحد في طريقه.
سيكون من السهل أكثر من اللازم أن نقول إن شخصًا واحدًا كان يسيطر على أسرة كاملة. لم يكن ذلك دورها. حضورها هو الذي كان يصنع المركز: يأتي الناس، ويجلسون، ويعودون، ويلتقون بعضهم ببعض حولها.
كنّا نقول جدّتي. وبعد غيابها فقط رأينا أنها كانت أيضًا أحد أعمدة البيت.
أذكرها قرب الباب، والسينية إلى جوارها، والبيت يتحرّك من حولها، ونحن لا نفهم بعد أننا نعيش قرب مركز العائلة.
سكتت الرحى. ولا يمكن إعادة قهوتها. لكن المكان ما يزال قائمًا. ولأنني أذكر أين كانت تجلس، فهي لم تختفِ تمامًا من الغرفة.
اللهم ارحمها وارحم موتى المسلمين أجمعين