قرية الابن · أفق الأب
وُلدتُ
بعد العبور.
حين فتحتُ عينيّ، لم يعد القصر الجديد جديدًا. كانت جدرانه قد بدأت تحفظ العادات، ودروبه تعلّمت وقع أقدامنا، أمّا الحصن في الضفة الأخرى فصار المكان الذي يعود منه أبي كلما تذكّر.
وُلد أبي تحت سقوف تتلامس.
ووُلدتُ أنا حيث كانت السماء أوسع، والأبواب تنفتح على دروب منحدرة، والبئر يقف أمام بيتنا.
كان قصر أبي يضمّ القرية داخل جسده. أمّا قصري فكان يتركها تمتدّ خارجه: إلى البئر، والجيران، والحيوانات، والمسجد، والواحة، والأطفال الذين بدوا كأنهم ينتمون إلى كل مكان دفعة واحدة.
قرية واحدة تعبر الزمن
- ٠١ حين كان القصر حيًّا قصر أبي تحت السقوف
- ٠٢ المسجد والدرب الحروف والوجوه وإيقاع الأيام
- ٠٣ الوادي الفاصل الفيضانات والبعد وضيق السبيل
- ٠٤ أن نبني من جديد الجماعة والأيدي والبيوت الأولى
- ٠٥ قصري أنا القرية الجديدة بعيني طفل
- ٠٦ ما يبقى إيقاع مختلف، والاسم نفسه
كان أول عالم خارج بيتنا هو البئر. وراءه يبدأ الانحدار نحو الواحة، ووراء النخيل يثبت القصر القديم ظله عند الأفق. لم يكن ذلك، في عيني طفل، منظرًا رتّبته الطبيعة بعناية؛ كان فقط ما نراه حين نفتح الباب.
وما زلت أراه أجمل منظر. لا لأنه بقي على حاله، ولا لأنني كنت أفهم تاريخه، بل لأن كل ما يهمّ كان يمرّ أمامه: جار جاء للماء، وطفل توقّف، وصوت عبر الطريق، وحمار مضى في الدرب، ووادي يفتح أيامنا على أماكن أخرى.
كان أبي قد عبر ذلك الوادي مع جيل أعاد بناء حياته. أمّا أنا، فلم أعرفه إلا جزءًا من البيت.
إعادة بناء بصرية تستند إلى ذاكرة الأسرة
لم يعرف البئر الصمت
جاء الناس ليأخذوا الماء، وجاءوا معه بأخبارهم، وأسئلتهم، وسلامهم، وضحكهم، وبذلك الحديث الذي لا يستعجل في قرية لا يبقى فيها القادم مجهولًا طويلًا.
يتحرّك الحبل، ويصطدم الدلو بجدار البئر، ثم يصعد الماء من العتمة إلى النور. وما فاض منه وراء البئر وجد طريقه إلى المنحدر الحجري.
الدلو
كنّا نجرّ الدلو بجدّية الأطفال حين يعرفون أن الضحك لن يترك العمل يكمل وقاره.
نشرب، ونغسل وجوهنا وأجسادنا، ثم يسكب أحدنا الماء على الآخر فيتحوّل الواجب إلى لعبة. كان الحرّ يجعل برودة الماء أكبر من مقدارها، وكانت رشّات قليلة تكفي ليصير ما أمام البيت عيدًا صغيرًا للصيف.
يمرّ الكبار من حولنا ويعودون. لم يحتج المشهد إلى من ينظّمه. كان البئر للحاجة، والحديث، والطفولة، ولسخاء الماء حين يُستعمل أمام الجميع.
ذهبنا لنغتسل،
وبقينا لنلعب.
ارتفع الدلو، وصاح طفل، وعبر الماء من جسد إلى آخر، حتى بدا القصر لحظةً كأنه خُلق للصيف.
أبواب مفتوحة للنهار
في النهار، بقيت أبواب كثيرة مفتوحة. ولم يكن الطفل يقف كل مرة عند العتبة كأنه يدخل عالمًا غريبًا. كنّا ندخل بيوت الأقارب، والجيران، ومن يعرف القصر مكانهم في حكايته.
ننتقل من بيت إلى بيت، نشرب الشاي، ونصغي إلى الكبار، وننظر إلى الحيوانات، ونجد أطفالًا آخرين، ثم نواصل طريقنا. لم يكن الباب مدخلًا فقط؛ كان جزءًا من درب القرية.
ولم تكن تلك الحرية تعني أن أحدًا لا يرانا. كانت تعني أن الجميع يروننا، بتلك الطريقة الهادئة التي يعرف بها أهل القرية إلى أي بيت يعود الطفل قبل أن يسألوه عن اسمه.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
طعم اللّبن الطازج
في بيت قريب، كانت امرأة كبيرة تقدّم لنا اللّبن الطازج. يصل كما يصل الظلّ والماء: بلا استعراض، وبلا حاجة إلى مناسبة.
شربت اللبن في أماكن كثيرة، ولم أجد ذلك الطعم. لعلّ الذاكرة تغيّر الطعام، أو لعلّ السرّ كان في الحليب، وفي الجلد الذي خُضّ فيه، وفي اليد، وفي الحرّ، وفي أننا شربناه داخل بيت لم نكن نخشى بابه.
بعض النكهات لا تحفظها الوصفات. يحفظها المكان الذي أعطاها معناها.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
الدرب إلى المسجد
لم يكن القصر الجديد أرضًا مستوية. كانت دروبه تصعد وتهبط، وصار الطريق إلى المسجد مقياسًا مألوفًا لمشينا.
نصعد، ونهبط، ونتوقّف عند باب، ثم نميل إلى بيت آخر، ونرجع من طريق لا يراه واضحًا تمامًا إلا طفل أو واحد من أهل القصر.
العودة إلى الصالون الصغير
بعد البئر، وبعد الدرب، وبعد كل مهمّة صغيرة أخرجتنا من البيت، كنّا نعود إلى الصالون الصغير.
تجلس جدّتي في مكانها نفسه. ويظهر الشاي أو القهوة المعطّرة بالتوابل. وحتى اليوم، يصعب عليّ أن أجد قهوة تشبه قهوتها. لم تكن تُقدَّم على أنها شيء نادر؛ جاءت ندرتها بعد ذلك، حين صار الوصول إلى الطعم نفسه مستحيلًا.
وكانت ترسلنا أيضًا لنجمع الرَّكْم. وهذه كلمة من ذاكرة مسكي المحلية. ثمرة تمر تسقط خضراء ثم تميل إلى البني، من غير أن تسلك الطريق المعتاد: أخضر، فأصفر، فتمر ناضج.
نحمل السلال. نطيع أحيانًا من أول مرة، وتجد الطفولة أحيانًا أعذارها للمقاومة. وتنتظر المهمّة، كما تعرف الجدّات أن المهمات تنتظر، حتى تنفد حجج اللعب.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
كنّا نعرف من وراء الأبواب
عُرف معظم الناس باسمهم، أو باسم أسرهم، أو بلقب اختارته لهم القرية ثم صار أرسخ من الاسم.
قد يحمل اللقب حكاية، أو طبعًا، أو مزحة قديمة، أو أمرًا يفهمه الجميع ولا يشرحه أحد. وتستحق هذه الأسماء ذكريات مستقلة في يومها.
كانت القرية تعرف أطفالها
تحرّك في الدروب أطفال من أعمار مختلفة: ابن ثلاث سنوات، وأربع، وعشر، وأبناء عمومة أكبر، وإخوة أصغر، وجماعات تتكوّن وتتفرّق بحسب اللعبة والمهمّة والساعة.
لم يعش الكبار في خوف دائم من أن يختفي طفل من غير أن يراه أحد. كانت القرية تعرف ابن من مرّ، ومن شوهد قرب البئر، ومن اتجه إلى الواحة، ومن ينبغي أن يعود قبل أن يتغيّر الضوء.
ولم تكن طفولتنا خالية من الخطر. كان هناك الماء، والحجارة، والمرتفعات، والحيوانات، وحكايات الجنّ، وكل ما يقترب منه الطفل قبل أن يفهم لماذا يقلق الكبار. لكن الخوف لم يكن ينظّم كل خطوة. الانتماء هو الذي فعل.
لم نكن أبناء آبائنا وحدهم
كان القصر يرى، وينبّه، ويصحّح، ويرحّب، ثم يتركنا نواصل اللعب.
ظلّ قصر أبي حاضرًا في النظر
عرفته طفلًا ظلًّا أولًا، ثم مقصدًا، ثم صمتًا يختلف عن صمت القرية الحيّة وراء ظهري.
لم أكن أفهم أن الغرف المكسورة التي أدخلها حملت يومًا عالم أبي كلّه. جاء هذا الفهم لاحقًا. رأت الطفولة خرابًا، وتعلّمت الذاكرة أن ترى بيتًا.
إعادة بناء بصرية تاريخية
طرق تتجاوز البيوت
لم يحبس القصر الجديد طفولتنا داخل دروبه. كانت المسالك تنزل نحو الواحة، وتمتد إلى العين الزرقاء، وتعبر الأراضي المزروعة، وتفتح الطريق إلى القصر القديم.
ذهبنا كثيرًا إلى العين. كان برد الماء يدخل الجسد كالمفاجأة. وكنا نعود، لأن الأطفال يعودون إلى الأماكن التي تخيفهم وتسعدهم بالمقدار نفسه.
لتلك الرحلات فصول أخرى. ويكفي هنا أن كل خروج بدأ من القرية نفسها، وكل عودة انتهت بين الأبواب نفسها.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
لم تأت السعادة في هيئة وفرة.
كانت البئر أمام البيت.
وبابًا مفتوحًا.
وإناءً من اللّبن.
وقهوة جدّتي.
واسمًا يُنادى عبر الدرب.
ومعرفةً هادئة بأن القرية، مهما ابتعدنا، تعرف كيف تعيدنا إليها.
كان القصر هو البطل
لم أكن مركز ذلك العالم. ولم يكن أي طفل مركزه. كان القصر هو المركز.
جمع البيت، والبئر، والمسجد، والجيران، والحيوانات، والطرق، والواحة، والحصن القديم وراء الوادي. ومنح كل واحد منّا مساحة ليظنّ أن الطفولة حق طبيعي للمكان.
ليست هذه حكاية طفل صار مهمًّا. إنها حكاية قرية جعلت الحياة العادية تبدو كاملة.
الدروب المغطاة،
والسقوف المتّصلة،
والبيت إلى جوار المسجد.
البئر،
والأبواب المفتوحة،
والوادي أمام بيتنا.
ميلادان. صورتان للقرية نفسها. وذاكرة تعبر بينهما.
وُلد أبي في القصر القديم. ووُلدتُ أنا في الجديد. قام بيننا وادٍ، وعاشت حولنا القرية نفسها.
عرف جيلٌ الحصن من داخله، ونشأ الجيل الذي تلاه تحت الأفق الذي تركه وراءه. وكان قصر مسكي بيتًا لكليهما.
العودة إلى جميع الفصول ←