قرية واحدة · حاضران على ضفّتين
زمناً قصيرًا،
كان مسكي يصحو مرّتين.
كان الدخان ما يزال يصعد من سقوف القصر القديم، فيما كانت جدران في الجهة الأخرى تنتظر أبوابها. صباحٌ يولد في غرف ورثت عادات أجيال، وصباحٌ آخر ينهض من التراب والحجر وتعب الأيدي.
لم يكن هناك يوم واحد للرحيل.
لم يقرع جرسٌ معلنًا نهاية زمن، ولم تغلق القرية أبوابها كلّها ثم تمضي في صفّ واحد.
عبر قصر مسكي الوادي كما تعبر القرى القديمة محنها: بيتًا بعد بيت، فيما كان الأمس لا يزال مسكونًا، والغد لم يفرغ بعد من بناء مأواه.
قرية واحدة تعبر الزمن
- ٠١ حين كان القصر حيًّا قصر أبي تحت السقوف
- ٠٢ المسجد والدرب الحروف والوجوه وإيقاع الأيام
- ٠٣ الوادي الفاصل الفيضانات والبعد وضيق السبيل
- ٠٤ أن نبني من جديد الجماعة والأيدي والبيوت الأولى
- ٠٥ قصري أنا القرية الجديدة بعيني طفل
- ٠٦ ما يبقى إيقاع مختلف، والاسم نفسه
بدأ الانتقال قبل أن ينتهي القصر القديم. وهذه أول حقيقة ينبغي أن تحفظها الحكاية. لم يخلُ الحصن في صباح واحد، ولم تخرج القرية الجديدة من الأرض مكتملة. شهورًا طويلة، عاش القصران حاضرًا واحدًا: أحدهما مثقلًا بألفة السنين، والآخر مرتجفًا تحت رهبة البدايات.
تراكمت أسباب الرحيل ببطء. ظلّ الطريق بعيدًا، وكان الوادي إذا فاض أغلق السبيل. وما قَبِلَه الناس زمنًا بوصفه جزءًا من حياتهم، صار أثقل حين بدأ العالم خارج الواحة يتغيّر.
غير أن الضرورة لا تمحو المحبة. كان أبي يفهم لماذا احتاج أهل مسكي إلى مكان آخر، ويظلّ، مع ذلك، يفضّل دروب القصر الذي وُلد فيه. لم يغادر الناس لأنهم كفّوا عن حبّ بيوتهم؛ غادروها لأن الحبّ لا يقرّب طريقًا، ولا يردّ ماءً إذا علا.
إعادة بناء بصرية تستند إلى الرواية الشفوية
لكل أسرة موضع
وزّعت الجماعة، ومن تولّوا شؤون القرية، مواضع البيوت الجديدة على الأسر. كان القرار جماعيًّا، أمّا ما بعده فعاد إلى قدرة كل بيت.
قد تُعطى الأسرة أرضًا، ولكن الأرض لا تصير سترًا وحدها. لا بدّ من جدار، وسقف، وخشب، وحجر، ووقت طويل حتى تتحوّل النيّة إلى غرف.
لم تكن أحوال الناس سواء. تقدّم بعضهم أسرع من بعض، وتناقلت الأيدي العون متى استطاعت. ومع ذلك، ظلّ لكل بيت نصيبه الخاص من القلّة والتعب والصبر.
نهضت القرية بسرعات مختلفة
جدارٌ بلغ علوّه، وأسرة أخرى لم تفرغ بعد من أساسها. سقفٌ أُغلق، وغرف إلى جواره ما تزال مكشوفة للشمس. كان القصر الجديد ناقصًا، لكن الحياة كانت قد بدأت تدخل إليه.
يحبّ التاريخ تاريخًا محدّدًا، أمّا الذاكرة فتذكر الانتظار
قد تكتب السجلات أن قصر مسكي انتقل من ضفة إلى أخرى. لكن ذاكرة الأسرة ترفض هذا الترتيب السهل. إنها تذكر الأشهر الواقعة بين المكانين.
تذكر أناسًا ما زالوا ينامون تحت سقوف القصر القديم، فيما يعمل أقاربهم على جدران جديدة. تذكر الذهاب والعودة، والمواد التي جُمعت، واليد التي أعانت يدًا، والمساء الذي بدأ فيه البناء يفقد اسم الورشة ويقترب من اسم البيت.
لم يسمّ أحد تلك المرحلة. عاشوها فحسب. وعُبر الوادي مرات كثيرة، حتى إنه لم يكن قد صار بعد الحدّ الفاصل بين الماضي والحياة.
إعادة بناء بصرية تاريخية
ما تجود به الأرض
إعادة بناء بصرية تاريخية
ما يحمل البيت من تحته
إعادة بناء بصرية تاريخية
ما استطاع القصر القديم أن يحمله معه
ما عبر الوادي
لم يكن لدى بعض الأسر كثير، وكان الخشب أثمن من أن يُترك. نُزعت عوارض من سقوف قديمة، وحُمِلت عبر الوادي، ثم وُضعت فوق غرف جديدة.
لم يكن أحد يتعامل مع قطعة أثرية. كانت أسرة تحاول إغلاق سقفها قبل أن يمرّ فصل آخر. وما قد يبدو اليوم هدمًا للتراث، كان آنذاك جوابًا مباشرًا عن الحاجة.
غير أن للحاجة أثرها أيضًا. كانت بيوت القصر القديم يسند بعضها بعضًا. وحين غاب الخشب، فقدت الجدران المجاورة شيئًا من حماية الجسد الواحد. دخل المطر والريح، ووجد الزمن منافذه، وضعف الحصن كلما اشتدّ عود القرية في الضفة الأخرى.
العارضة التي غادرت كانت سقفًا ينتظر أن يولد
خسر البيت القديم شيئًا، وربح البيت الجديد بداية الستر.
وعلى الذاكرة أن تتسع للحقيقتين معًا، من غير أن تحاكم من اضطروا إلى الاختيار بين سقف فارغ يُحفظ، وسقف ينام تحته أبناؤهم.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
كان لمسكي حاضران
نرتّب الحكاية اليوم في سطر واضح: القديم، ثم الجديد. أمّا الذين عبروا الوادي، فقد عاشوا زمنًا أقلّ انتظامًا.
ظلّ القصر القديم يحمل الآباء، والأبواب المألوفة، والصلاة، والأصوات، والغرف التي عرفت أصحابها. وحمل الجديد الجهد والقلق وبيوتًا لم تمتحنها السنوات بعد.
كان كلاهما حقيقيًّا في اللحظة نفسها. ولعلّ هذه أهدأ حقائق الفصل وأعمقها: عاش قصر مسكي مرّتين، قبل أن يقف كل وجه منه منفردًا.
إعادة بناء بصرية تستند إلى ذاكرة الأسرة
عولي، كما تمرّ في الذاكرة
عمل جدّي في مناجم عولي، وزرع أرضه في مسكي. وأقام أبي معه هناك زمنًا وهو صغير: يحمل إليه الطعام، ويمرّ بالمدرسة مرورًا قصيرًا، ويعين في مخبزة.
وفي وقت آخر، كان يحمل الماء إلى الرجال الذين يحفرون السواقي. تنتمي هذه الصور إلى السنوات التي سبقت رجولته في القصر الجديد، ولا يأخذ منها هذا الفصل إلا ما يكفي لنعرف من أين جاءت يداه إلى العمل.
حمل طفلٌ طعامًا إلى أبيه، ثم كبر ليشارك في بناء بيوت.
يبني ويُصلح
كان ما يزال شابًّا جدًّا حين بدأ العمل يرسم مكانه في القرية الجديدة. اشتغل في البناء وساهم في إقامة البيوت، وفي الوقت نفسه كان له حانوت صغير يُصلح فيه الدرّاجات.
إعادة بناء بصرية تاريخية
إعادة بناء بصرية تاريخية
عمل تلك السنوات
لم يتحدّث أبي عن هذه الأعمال كأنها فصول منفصلة من حياته. البناء، والإصلاح، وما سبقهما من أعمال صغيرة، كانت كلها عادة واحدة: أن يقبل المرء العمل حيث يجده، وأن يكون نافعًا حيث تكون الحاجة.
جدار يكتمل. درّاجة تعود إلى الطريق. أجر يوم يُحمل إلى البيت. لم يحتج شيء من ذلك إلى اسم كبير.
هكذا أخذت حياته في القصر الجديد شكلها: يدٌ تساعد على رفع ما هو جديد، ويدٌ تعيد الحركة إلى ما أصابه العطب.
صورة وثائقية
معلم جديد للمنطقة
صار سد الحسن الداخل من المنشآت الكبرى التي حمت منطقةً طالما صاغ الماء خوفها ورجاءها.
وكان أبي حاضرًا يوم افتتحه الملك سنة ١٩٧١. ولا يحتاج هذا الفصل إلى أكثر من هذه الومضة: شابّ من مسكي يقف بين من شهدوا دخول معلم جديد في تاريخ المنطقة.
وُلد أبي تحت سقوف القصر القديم المتّصلة، ووُلدتُ أنا في القرية التي نهضت وراء الوادي.
يبدأ الجزء التالي حيث ينتهي التاريخ الموروث وتبدأ ذاكرتي: عند البيت، والجيران، واللّبن، والرَّكْم، والأبواب المفتوحة، وأصوات القصر الجديد كما عرفتها طفلًا.
تابع إلى الجزء الثالث ←